
نعيمة بويغرومني
ليست اللغة في الإدارة العمومية، خياراً تقنياً يُترك لاجتهاد المرافق، بل هي إعلان يومي عن ‘السيادة’ ، ومرآة لمدى احترام الدولة لمرجعيتها الدستورية.
لذلك، فإن استمرار بعض الإدارات العمومية في تحرير مراسلاتها باللغة الفرنسية، رغم التوجيهات الوزارية الصريحة الداعية إلى اعتماد العربية، لا يمكن اعتباره مجرد خلل إداري عابر، بل هو مؤشر مقلق على اختلال العلاقة بين النص والممارسة.
لقد حسم الدستور المغربي رسمية اللغة العربية باعتبارها لغة الدولة والإدارة والتواصل مع المواطن.
ومع ذلك، ما تزال بعض المؤسسات تتعامل مع هذا الحسم وكأنه خيار قابل للتأجيل أو الانتقاء، في مفارقة تضعف مصداقية الالتزام الدستوري وتطرح سؤالاً مشروعاً حول حدود احترام التوجيهات المؤسساتية.
و في هذا السياق، أسجل بقلق أربع رسائل واضحة:
الرسالة الأولى:
لا يمكن لإدارة تروم النجاعة والقرب أن تُخاطب مجتمعها ومرتفقيها بلغة بعيدة عن مجاله التداولي.
فاللغة قبل أن تكون وسيلة تواصل، هي شرط أساسي لضمان الفهم السريع والدقيق، خاصة في القضايا المرتبطة بسلامة المواطنين.
وتبلغ المفارقة ذروتها حين يرتبط الأمر بتدبير المخاطر ومنها تدبير الفيضانات، حيث تتحول اللغة إلى وسيلة إنذار وحماية للأرواح.
وعليه اطرح السؤال التالي وقد طرحه كثيرون بصيغ مختلفة :
بأي منطق تُستعمل لغة أجنبية في ظرف استثنائي يستدعي أن تُوجَّه فيه التعليمات إلى الساكنة بأقصى درجات الوضوح والسرعة؟ وكيف يُقبل أن تُصاغ رسائل الطوارئ بلغة قد يفهمها المواطن… وقد لا يفهمها، بينما لغة البلاد قائمة، جامعة، قادرة على إيصال المعنى دون وسيط ودون تأويل؟
إن توجيه المواطنين في لحظات الخطر بلغة تحتاج إلى شرح أو ترجمة ليس مجرد خلل إداري، بل تكريس لارتباك تواصلي في لحظات يفترض أن يكون فيها الخطاب حاسماً ومباشراً. فهل يُعقل أن نبحث عن لغة بديلة في زمن الخطر؟!
الرسالة الثانية:
إن احترام اللغة الرسمية “العربية” ليس قضية رمزية، بل هو مقياس لاحترام الدولة لذاتها.
وبالتبع، يفقد الدستور قوته حين يتحول إلى مرجع نظري يُحتفى به خطابياً، ويُتجاوز عملياً بصمت إداري موروث.
الرسالة الثالثة:
الازدواجية اللغوية داخل الإدارة تُنتج تمييزاً غير معلن بين المواطنين، حين يصبح فهم المراسلات والوثائق رهين بامتلاك كفاية لغوية ليست متاحة للجميع. وهنا يتحول الحق في الولوج إلى المعلومة إلى امتياز، ويتصدع مبدأ المساواة أمام المرفق العمومي.
وبالجملة، إن الدفاع عن حضور العربية داخل الإدارة ليس رفضاً للغات الأجنبية ولا دعوة إلى الانغلاق، بل هو تأكيد على ضرورة تراتبية تجعل اللغة الرسمية لغة القرار والخدمة العمومية، بينما تظل اللغات الأخرى أدوات للانفتاح والتواصل الدولي.
ولست بحاجة إلى أن أشيد بلغتنا العربية في هذا السياق، فقد أثبتت قدرتها العالية على احتضان منظومات التشريع والقضاء والتعليم والإعلام…، وقد سبقني أهل الاختصاص وحبروا في ذلك آلاف الصفحات مشكورين… فطوقوا اعناقنا بمعروف يجبرنا على الامتنان لهم وذكرهم بما يطيب ويحلو… ولست في موقف يدفعني الى التذكير بأن ضعف حضورها داخل بعض الإدارات ليس نتيجة قصور لغوي، بل نتيجة غياب إرادة مؤسساتية حازمة تُترجم الاختيار الدستوري إلى التزام عملي ملزم.
وبالجملة، إن استمرار هذا الوضع لا يسيء إلى لغتنا فحسب، بل يُربك صورة الدولة في وعي مواطنيها، ويزرع شعوراً بأن بعض مقتضيات الدستور تُطبَّق على سبيل الاختيار لا على سبيل الإلزام.
وأخيرا وليس آخرا، وهذه رسالتي الأخيرة: الرهان اليوم أكبر من نقاش لغوي؛ إنه رهان على انسجام الدولة مع ذاتها، وعلى حق المواطن في إدارة تخاطبه بلغته وتدير شؤونه بوضوح ومسؤولية.
لتبق الحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها وهي ساطعة لا تحتاج إلى نظارات أن اللغة ليست حروفاً أبجدية تُكتب في المراسلات، بل هي حدود غير مرئية لهيبة الدولة، فحين تتراجع لغة الدستور في دهاليز الإدارة، لا يتراجع نص قانوني فحسب، بل يتراجع جزء من الثقة التي تربط المواطن بمؤسساته…
وبالتبع، حين تُستبدل لغة الوطن بلغة أخرى تجبر الكثير من المواطنين على ترقيع ألسنتهم بها…، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً وإحراجا:
أيُّ دولةٍ نبغي… دولة تتحدث بلغتها ، أم دولة تكتفي بكتابتها في الدستور ثم تتركها على رفوف النصوص؟
سؤال سأترك لذوي القرار وأهل الاختصاص فرصة تحرير جوابه.


لا تعليق