
المينورسو.. سؤال المراجعة الاستراتيجية

السودان.. حرب عربية منسية في قلب معادلة الشرق الأوسط

حين تَعْصي الإدارةُ لغةَ الدستور

منتدى دافوس والتحولات الجيوسترتيجية


روسيا وإفريقيا أي أفق؟





قراءة في الخطاب الملكي وفي القرار الأممي رقم 2729

يضطلع المجتمع المدني بأدوار بالغة، كرسها دستور 2011الذي أكد في فصله الثاني عشر على ما يلي: “تُساهم الجمعيات المهتمة بقضايا الشأن العام، والمنظمات غير الحكومية، في إطار الديمقراطية التشاركية، في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية، وكذا في تفعيلها وتقييمها”.
وقد يبدو لأول وهلة، أن الحاجة اليوم لتأسيس جمعيات جديدة لم تعد ذات أهمية، نظرا للعدد الهائل للجمعيات التي تم تأسيسها ببلادنا منذ صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958 غداة الاستقلال. إلا أن المتتبع للحياة الجمعوية ببلادنا سيلاحظ أن جمعيات المجتمع المدني باتت في كثير من الحالات تسدبعضا من الخصاص المرتبط بأدوار هيآت أخرى، بل إنها باتت تضطلع بأدوار متزايدة في مجالات متعددة منها التنمية المستدامة على سبيل المثال، والتي لم تعد مجالا محصورا ضمن برامج الحكومات أوالجماعات الترابية. بناء على ذلك، تظل الحاجة قائمة وملحة في هذا المجال، خاصة بعد الاستحقاقات الانتخابية للثامن من شتنبر 2021 التي شكلت مع الأسف خطوة تراجعية في مجال الديموقراطية وجاذبية العمل السياسي، وهو ما سيضاعف من على دور المجتمع المدني ومسؤولياته المستقبلية في التأطير والبحث والرصد والتكوين، لا سيما مع تنامي “ظاهرة” ضمور الفعل السياسي والسعي ل “تنميط” النخب والفاعلين السياسيين، و” تحنيط” المجتمع المدني في قوالب محددة، والمس بحيوية المشهد السياسي وفعالية المجتمعي المدني ببلادنا.
ليس خافيا أن الفعل الثقافي بكل تلويناته ليس ضربا من الترف الفكري أو العمل الاستحساني، بل إنه دينامية للتغيير والإصلاح المجتمعي. وكلما خلت هذه الدينامية من الروح الإبداعية، تحولت إلى إجراءات توجهها تصادمات الأهواء والأنانيات والأغراض الآنية العاجلة.
في المحطات التاريخية المفصلية، خاصة تلك التي تتميز بتدافعات قيمية ما بين الحضارات وما بين أنساق رؤى فكرية مختلفة، تغدو الثقافة والحوار والمعرفة أساس أي بناء مستقبلي.
إن تهميش الثقافي أو تحويله إلى دمى فارغة تعوي بالعدم، قد يساعد على تأسيس أنظمة لكنه لا يشيد مجتمعات بطموحات حضارية كبيرة. وإن ما يساعد على تكريس هذآ المسار، ركون المثقفين إلى “إيديولوجيا الفرجة” وإيثار السلامة على الاشتباك المعرفي والفني والقيمي. ولذلك فإن قناعتنا جازمة أن لا تغيير بدون فكر، وبدون إبداع، وبدون حضور للقوة الناعمة/الثقافة.
إن الحاجة إلى الفعل الثقافي والجمعوي ماسة للإسهام في استعادة الروح وتجاوز حالة ترهل النخب وعياء المؤسسات الوسيطة التي تعيش ضمورا في خيالها الاقتراحي الاستشرافي، وتكتفي بإنتاج متاهات رتيبة توافقية، إذ لا بد للثقافة أن ترج البركة الراكدة وتحرك العقل لإبداع مسارات وآفاق للخروج من الأزمة البنيوية.
إن الجمعية التي قررنا تأسيسها، لا تدعي أنها تتجه لخلق قطائع بل تسعى لخلق وتشجيع دينامية حوارية بين كافة الفاعلين في المشهد الثقافي والفكري بخصوص عدد من القضايا الإشكالية الحارقة لتمتين وتحصين الوسط الجامع الحامي للأمة المغربية من التشظي والتلاشي.
إن المبادرة التي نؤسسها اليوم تنطلق من هذا الإدراك لحجم الجهد الثقافي الذي يحتاجه مجتمعنا، ونطمح أن تشكل لبنة تنضاف للبنات أخرى كثيرة ببلادنا.
اخترنا أن نسمي هذه الجمعية: “منتدى المتوسط للتبادل والحوار” ومعلوم أن اختيار التسمية يختزن الدلالات والأبعاد التي يتغياها الفعل الثقافي لهذه الجمعيةـ
المتوسط:اختيار “المتوسط ” دال يحيل على عدة أبعاد. من جهة، فالمتوسط حامل لبعد جغرافي إذ أن البحر الأبيض المتوسط كان ولا زال، فضاء تفاعل عالمي بين ضفتين وبينهما ومع بقية العالم. ولا زالت الأحداث الكبرى تنسج في باحته وعلى هوامشه،فهو بؤرة جيوسياسية محورية في تدافع السياسة والقيم. ولا شك أن البعد الدولي والاهتمام بالدبلوماسية الموازية، كان حاضرا عند اختيار هذه التسمية. غير أن التسمية المختارة تؤكد أيضا على بعد “الوسطية” كقيمة أساسية لبناء الحوار والتعايش بين الحضارات، وتستمد هذا البعد من زخم مرجعي يحتل العقل والوجدان العربي الإسلامي بعمق ما قاله تعالى (“وكذلك جعلناكم أمة وسطا” البقرة: 142). إن الوسطية الثقافية تتمظهر من خلال دينامية فكرية تزاوج بين الخصوصية والكونية، ولا يضمن التفاعل بينهما إلا إيمان بنسبية الحقيقة الإنسانية والعمل على تسييجها بالمقاصد المنطقية المتعارف عليها بما يرجحها لصالح البشرية.
أما “التبادل والحوار” فإنهما كلمتان تحيلان على رغبة الجمعية في الانفتاح على كل الدوائر الجغرافية ومختلف التيارات الفكرية والآراء، إيمانا منا بأن الحقيقة لا تحتكرها أية جهة، وأن التلاقح الفكري أمر أساسي لبناء الأفكار وإبداع الرؤى الخلاقة التي تبني مجتمعات سوية وعالما متوازنا ومتكاملا.
الجمعية في واقع الأمر هي فرصة لفتح فضاء جديد للنقاش الفكري والسياسي والعلمي، لذلك فهي “منتدى” وليست مركزا بحثيا ولا منظمة مغلقة، منتدى مفتوح في وجه الجميع ويطل الجميع من خلاله على آراء وأفكار مختلفة، في جو من الحرية والمسؤولية.
1 –دائرة قضايا الأمة:
إن قضايا الوحدة والتجزئة داخل الوطن العربي والإسلامي، ومقاومة مخلفات الاستعمار، تأتي على رأس أولويات اهتمامات الجمعية. ولذلك سيشمل عمل الجمعية البحث في مواضيع إشكاليات عوائق النهضة والتنمية داخل الأمة، وموضوع صراع/تحالف الحضارات، وقضايا الأقليات الإسلامية وغيرها. ولا شك أن قضية فلسطين ستستنفر جهدنا الفكري والثقافي لإبداع أجوبة للأسئلة المرتبطة بهذه القضية، باعتبارها قضيةمركزية للأمة.
إلا أن الاهتمام بقضايا الأمة لا ينطلق من نظرة شوفينية ضيقة، فاهتمام المنتدى سيشمل كذلك كل القضايا التي تشغل بال الإنسانية من قضيا البيئة والتغيير المناخيوالعولمةوالتحول الرقمي وقضايا السلام والتعاون الدولي.
2- دائرة قضايا الوطن:
يفرض الانتماء للوطن انحيازا للفكر والوجدان، ويتطلب ذلك الاشتباك ثقافيا،للدفاع عن كل قضايا بلادنا على رأسها قضية وحدتنا الترابية وثوابت أمتنا. يستدعي منا ذلك، المساهمة النوعية بإبداع كل أشكال الإقناع والترافع والدفاع عن سيادتنا الوطنية والتنبيه الى المخاطر المحدقة بمسارها.ويستدعي منا كذلك، تناول وضعية التعليم والصحةوالتشغيل ببلادنا وقضية العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية.
إلى جانب ذلك، سينصب اهتمام المنتدى على السياسة الخارجية لبلادنا، وما حققه المغرب على مستوى القارة الإفريقية وفي علاقاته بالاتحاد الأوروبيوبالعالم العربي، والعلاقات مع دول الجوار، وما يقتضي ذلك من قراءة علمية وموضوعية في تلك السياسة.
2– دائرة التدافع القيمي:
صار معروفا أن العالم قرية صغيرة بفعل وسائل التواصل التي فتحت المجال أمام سجالات قيمية عديدة،مرتبطة برؤى متباينة للإنسان والعالم.وتمظهر ذلك في إشكاليات متنوعة منها قضية المناخ والتسارع نحو التسلح النووي،ومنها قضايا الأسرة. فباسم الانفجار الديمغرافي يتم التعسف على النسل،وباسمه يتم السماح لإنتاجات غذائية ضارة بصحة الإنسان وبمحيطه البيئي،وباسم الأمن العالمي يتم تبرير احتكار البعض لقرار الفيتو الأممي ولامتلاك الصناعة النووية في مقابل حرمان آخرين منها بشتى الحجج.وباسم الحرية الفردية يتم توسيع مفاهيم مستجدة عن الأسرة في انزياح عن فطرتها الأصيلة والقواعد المتعارف عليها كونيا منذ بدأ الخليقة.وبالتالي، فإن منتدى المتوسط يعتبر هذه الدائرة ورشا مهما للتفكير والبحث ولذلك سيحظى بعناية كبيرة.
3- دائرة الاهتمام بالديموقراطية والشأن العام:
إننا نعتقد أن تطوير أوضاع المجتمعات نحو الأفضل هي عملية مستمرة وتراكمية، وإصلاح تلك الأوضاع أحد ركائز نجاحه هو إشراك المواطن في عملية تلك العملية، كما لا يمكن أن يتم ذلك دون الاهتمام بالعمل السياسي وبالشأن العام، ودون تطوير أداء الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والمهنية. إننا نعتقد أن مقولة ” نحن نشتغل في المجال الثقافي وبالتالي نحن نبتعد عن السياسية” قد تخفي ورائها نوعا من الجبن عند المثقف، والإخلال بواجبه الـتأطيري تجاه مجتمعه وأمته. لذلك، فلن تغيب عن دائرة اهتمام المنتدى قضايا الشأن السياسي وقضايا حقوق الإنسان والديموقراطية والسياسات العمومية، من خلال فتح فضاءات للنقاش العلمي والمسؤول في مختلف هذه المجالات.
انطلاقا من المنظور السالف الذكر، الذي يعتبر الثقافة والمثقف حالة تفاعلية مع محيطه فإن مهمته جس نبض قوانين مجتمعه ومسائلتها على ضوء معايير الديمقراطية باعتبارها قيمة كونية تتطلب جهودا تشريعية توائم النصوص القانونية مع مقاصده،وجهدا فكريا وثقافيا، متحررا من واجب التحفظ لمواقع التدبير الضاغطة، ومنطلقة من تلك المسافة المتاحة لاجتراح مراجعات فكرية وعلمية ولاحتضان فضاءات للتحليل والدراسة والنقد والاقتراح.وعليه، فهذا الورش الشاسع، هو أحد الاهتمامات التي ستكون بإذن الله حاضرة في أنشطة وفعاليات المنتدى.
4-دائرة الفن والإبداع:
إدراكا منا لأهمية هذا المجال في بناء الذوق والوجدان وتكريس القيم الجمالية فإن المنتدى سيجعل من إشكالياته المختلفة مادة للبحث والتفكير والتناظر، بما يبرز من جهة إرث الأمة المغربية وبما ينمي القدرات الإبداعية لدى عموم المواطنين. وبما يفتح النقاش في ظواهر فنية وإبداعية كونية، ويخلق فضاءات للحوار تساهم في الارتقاء بالحس الجمالي بما يحقق طرفي المعادلة الإبداعية: المنفعة والمتعة.
إن هذه الأرضية تلخص اهتمامات المنتدى دون أن تحيط بكل الجوانب التي قد تتناولها أنشطة الجمعية. ولا شك أن الجمعية ستسلك مجالات مختلفة لتحقيق أهدافها، سواء المجال الترافعي أو المجال الفكري والعلمي أو المجال التربوي أو البحثي أو غيرها.
لقد قلنا أن الجمعية هي لبنة تنضاف إلى لبنات أخرى ببلادنا، و هو ما يعني أن المنتدى سيسعى لتحقيق أهدافه التي حددها قانونه الأساسي، علاوة على أنشطته و برامجه الداخلية، إلى التعاون مع مجموعة من الهيآت الوطنية الرسمية و المدنية، بل كذلك مع هيآت دولية عند الاقتضاء.







