في تحليل استراتيجي عميق، فكك الأستاذ زكرياء أبو الذهب أبو الذهب الأبعاد القانونية والسياسية لقرار مجلس الأمن رقم 2797، معتبراً إياه ليس مجرد محطة دبلوماسية، بل تتويجاً تاريخياً لمسار طويل وشاق انتهجته المملكة المغربية. ووصف المداخلة هذا القرار بأنه “فتح مبين” جاء نتيجة لعقيدة راسخة من “الصبر الاستراتيجي”، ونجاح باهر في “تطويع القانون الدولي” لخدمة عدالة القضية الوطنية. وقد استهل الأستاذ أبو الذهب تحليله بملاحظة ذكية حول التأخير غير المعتاد في النشر الرسمي لنص القرار، مما يشي بوجود كواليس معقدة ومناورات دبلوماسية سبقت إصداره، قبل أن يقدم رؤيته الشاملة من خلال ثلاثة محاور متكاملة: الأول يتناول عقيدة “الصبر الاستراتيجي” كأساس للعمل المغربي، والثاني يحلل عبقرية “تطويع القانون الدولي” وتحويله من نص جامد إلى أداة لتحقيق السلم، والثالث يستشرف آفاق المرحلة المقبلة بعد هذا النصر الدبلوماسي الكبير.
المحور الأول: “الصبر الاستراتيجي” – عقيدة راسخة في مسار استكمال الوحدة الترابية
إن مفهوم “الصبر الاستراتيجي”، كما طرحه الأستاذ أبو الذهب، لا يمثل حالة من الانتظار السلبي، بل هو استراتيجية متكاملة ومدروسة، تتغذى من إيمان عميق بعدالة القضية الوطنية ومن التحام عضوي فريد بين العرش والشعب. هذا الصبر هو المحرك الأساسي الذي مكن المغرب من إدارة هذا الملف المعقد على مدى عقود، متجاوزاً التحديات العسكرية والسياسية والدبلوماسية. لقد انطلقت هذه العقيدة من ثابت أساسي لا يتزعزع، وهو أن الوحدة الترابية للمملكة وقدسيتها تمثل خطا أحمر لا يمكن تجاوزه، وهو المبدأ الذي تم تكريسه دستورياً وقانونياً، وجسدته إرادة الشعب المغربي قاطبة.
لم يكن هذا المسار مفروشاً بالورود، بل تطلب تضحيات جساماً، حيث خاض المغرب حرباً طويلة ومكلفة، لم تكن مجرد مواجهة مع جماعة انفصالية، بل كانت حرباً بالوكالة دُعمت فيها الأطراف الأخرى بسخاء من قبل دول مثل ليبيا والجزائر وكوبا، وغيرها من الدول التي عملت في الخفاء. امتدت هذه المواجهة العسكرية من عام 1976 حتى 1991، وشكلت اختباراً حقيقياً لقدرة المغرب على الصمود والدفاع عن سيادته، وقد نجح في هذا الاختبار بفضل تضحيات أبنائه. ومع الانتقال إلى المسار الأممي بإنشاء بعثة “المينورسو” بهدف تنظيم استفتاء، تجلى الصبر الاستراتيجي مرة أخرى. فعندما أصبح واضحاً أن الاستفتاء غير قابل للتطبيق بسبب الخلافات العميقة والمفتعلة حول تحديد هوية من يحق لهم التصويت، لم ينسحب المغرب من العملية أو يعلن فشلها، بل عمل بصبر وأناة على تطوير رؤيته للحل.
هذا العمل الدؤوب أثمر عن تقديم مبادرة الحكم الذاتي في عام 2007، التي لم تكن مجرد مناورة سياسية، بل كانت حلاً ناضجاً وواقعياً ومبتكراً، يوازن بين طموحات السكان المحليين في تسيير شؤونهم بأنفسهم وبين الحفاظ على السيادة المغربية ووحدة الدولة، وهو ما جعلها تحظى بترحيب دولي واسع. القوة الحقيقية التي دعمت هذا الصبر الاستراتيجي، كما أكد المتحدث، هي الجبهة الداخلية المتماسكة. وقد استشهد بالخطاب الملكي التاريخي في 31 أكتوبر 2025، الذي جاء كرد فعل مباشر وقوي على تطورات الملف، وكيف أشعل هذا الخطاب حماساً وطنياً جارفاً، حيث خرج ملايين المغاربة في كل المدن والقرى، من كل الأعمار والفئات، في مشهد مهيب أعاد إلى الأذهان ملحمة المسيرة الخضراء عام 1975.
هذا الالتحام الشعبي العارم حول قضية الصحراء هو مصدر القوة الأكبر للمغرب، وهو السلاح الذي لا يمكن لخصوم الوحدة الترابية مواجهته. إنه يبعث برسالة واضحة للعالم بأن الصحراء ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل هي قضية وجود وهوية لكل مغربي ومغربية، وهذا الإجماع الوطني وحده كافٍ ليؤكد أن الصحراء مغربية وستبقى مغربية إلى الأبد.
المحور الثاني: “تطويع القانون الدولي” – من المنطوق الجامد إلى فقه المقاصد
لم تكن الاستراتيجية المغربية مجرد استراتيجية صمود سياسي أو تفوق عسكري، بل كانت مدعومة ببعد فكري وقانوني عميق، وهو ما وصفه الأستاذ أبو الذهب بعبارة “تطويع القانون الدولي”.
هذا النهج لا يعني خرق القانون أو التحايل عليه، بل يعني التعامل معه ككائن حي ومتطور، والتركيز على مقاصده وغاياته العليا المتمثلة في تحقيق السلم والاستقرار والتنمية، بدلاً من التشبث بتفسيرات شكلية وجامدة لنصوصه. لقد واجه المغرب خصوماً بنوا خطابهم بالكامل على تفسير ضيق وأحادي لمبدأ تقرير المصير، وحصروه في خيار واحد هو الاستفتاء المؤدي حتماً إلى الانفصال.
في المقابل، قدمت الدبلوماسية المغربية اجتهاداً قانونياً رائداً، مستلهمة “روح” القانون وليس فقط “منطوقه” الحرفي. وفي هذا السياق، استشهد المتحدث بكتاب المفكر والقاضي المغربي البارز محمد بنونة، “القانون الدولي ما بين الروح والمنطوق”، كمرجعية فكرية تعكس هذا النهج المغربي. فمبدأ تقرير المصير، الذي ظهر في سياق تاريخي محدد لتصفية الاستعمار، لا يمكن تطبيقه بشكل أعمى على نزاع ذي طبيعة مختلفة تماماً. فالقرارات الدولية نفسها، مثل قراري الجمعية العامة 1514 و1541، تفتح الباب أمام آليات متنوعة لتحقيق هذا المبدأ، بما في ذلك الحكم الذاتي أو الاندماج الطوعي، وهو ما استند إليه المغرب بذكاء.
مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب في 2007 كانت التجسيد العملي لهذا “التطويع”، حيث لم تكن مجرد عرض سياسي، بل كانت إطاراً قانونياً متكاملاً يعيد تعريف النقاش ويحوله من صراع صفري إلى بحث عن حل واقعي ومستدام. وقد تم دعم هذا النهج القانوني بدبلوماسية متعددة الأبعاد وواسعة النطاق. فالمغرب عمل على نسج شبكة من الشراكات الاستراتيجية مع القوى الكبرى، حيث قام جلالة الملك بزيارة تاريخية لروسيا عام 2002، كما عزز علاقته بالولايات المتحدة الأمريكية التي منحته صفة “حليف استراتيجي رئيسي من خارج الناتو” وأبرمت معه اتفاقية للتبادل الحر، فضلاً عن حصوله على “الوضع المتقدم” مع الاتحاد الأوروبي عام 2008.
هذه التحركات لم تكن مجرد علاقات ثنائية عادية، بل كانت جزءاً من استراتيجية شاملة تهدف إلى بناء دعم دولي واسع للرؤية المغربية للحل. وبالتوازي مع ذلك، عمل المغرب على تعزيز جبهته الداخلية من خلال إصلاحات هيكلية، لا سيما في مجال حقوق الإنسان، عبر إنشاء المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وتحويله لاحقاً إلى المجلس الوطني لحقوق الإنسان مع لجانه الجهوية الفاعلة في الأقاليم الجنوبية.
هذا الإجراء الاستباقي لم يكن فقط لتحسين سجل المغرب الحقوقي، بل كان أيضاً لتجريد الخصوم من إحدى أهم أوراقهم الدعائية، وتأكيد أن السياسة الخارجية والسياسة الداخلية في المغرب هما وجهان لعملة واحدة، كل منهما يخدم ويعزز الآخر. وبهذه الطريقة، نجح المغرب في تحويل القانون الدولي من عقبة إلى رافعة، ومنح مقترحه للحكم الذاتي الشرعية والمصداقية اللازمتين لجعله الحل الأوحد الذي يحظى بالاهتمام الجدي من قبل المجتمع الدولي.
المحور الثالث: “يوم النصر والفتح المبين” – مكتسبات القرار 2797 وتحديات المرحلة المقبلة
يأتي قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي وصفه الأستاذ أبو الذهب بـ”الفتح المبين”، ليتوج عقوداً من التضحية والعمل الدؤوب، ويؤسس لمرحلة جديدة وحاسمة في تاريخ هذا الملف. هذا القرار ليس مجرد وثيقة أممية، بل هو اعتراف دولي صريح بجدية ومصداقية المبادرة المغربية، وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام المغرب لتحصين مكتسباته ومواجهة التحديات المتبقية بقوة وثقة أكبر.
من الناحية السياسية، يمثل القرار تحولاً نوعياً في موازين القوى الدبلوماسية. فهو يمنح المغرب سنداً قانونياً وسياسياً لا يقدر بثمن يمكن الاحتجاج به في كافة المحافل الدولية. وأولى المعارك التي يجب خوضها بهذا السلاح الجديد هي تصحيح الوضع الشاذ والمنافي للمنطق داخل الاتحاد الإفريقي، المتمثل في عضوية كيان وهمي لا يستوفي أدنى مقومات الدولة المتعارف عليها دولياً. فالقرار الأممي الأخير، بتأكيده على أن الحل لا يمكن أن يكون إلا سياسياً وواقعياً وعملياً ومبنياً على التوافق، يقوض بشكل كامل الأسس التي بنيت عليها عضوية هذا الكيان. كما أن وضوح القرار سيشجع المزيد من الدول التي كانت تتردد في إعلان موقفها الصريح على الانضمام إلى قائمة الدول الداعمة لمغربية الصحراء ولمبادرة الحكم الذاتي، كما رأينا مؤخراً مع قرار بلجيكا بدعم الاستثمار في الأقاليم الجنوبية، وهو ما سيخلق زخماً دولياً متزايداً يصعب على الخصوم مواجهته.
أما من الناحية القانونية، فالطريق أصبح ممهداً أمام المغرب لاتخاذ خطوات حاسمة. على رأس هذه الخطوات، كما شدد المتحدث، تأتي ضرورة سحب ملف الصحراء بشكل نهائي من جدول أعمال اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، المعروفة بلجنة تصفية الاستعمار. ويستند هذا المطلب إلى مبدأ قانوني راسخ هو “توازي الشكل والاختصاص”، والذي يعني أن الجهة التي تملك صلاحية إنشاء وضع معين هي نفسها التي تملك صلاحية إنهائه. وبما أن المملكة المغربية هي التي أدرجت هذا الملف في أجندة اللجنة عام 1963 في سياق تاريخي مختلف تماماً، فمن حقها اليوم، استناداً إلى التطورات الهائلة التي عرفها الملف، أن تطالب بسحبه بشكل نهائي.
بالإضافة إلى ذلك، يجب استثمار القرار لتصحيح المسارات القضائية الخاطئة، خصوصاً بعض القرارات الصادرة عن محكمة العدل الأوروبية، والتي استندت إلى تأويلات سياسية مغلوطة. فالقرار الجديد الصادر عن أعلى هيئة أممية يجب أن يكون له أثر مباشر على الاجتهادات القضائية المستقبلية.
وعلى الصعيد الإنساني، لا تزال هناك ملفات عالقة تتطلب معالجة شجاعة، مثل قضية المفقودين المغاربة، والتي يجب أن تعالج في إطار شامل للعدالة الانتقالية يضمن الكشف عن الحقيقة وجبر الضرر وتحقيق المصالحة، لطي صفحة الماضي الأليم بشكل نهائي.
إن المرحلة القادمة هي مرحلة البناء وتنزيل الجهوية المتقدمة وتكريس السيادة الكاملة، وهي تتطلب يقظة مستمرة وتعبئة شاملة، ليس فقط على المستوى الدبلوماسي، بل أيضاً على المستوى الداخلي لضمان نقل مشعل الدفاع عن الوحدة الترابية إلى الأجيال القادمة.


لا تعليق