تقديم :
في تحليل معمق ، قدم الأستاذ بلال التليدي خلال مداخلته في ندوة “الصحراء المغربية”، قراءة تفكيكية شاملة للخطاب الملكي المتعلق بالقرار السيادي حول الصحراء المغربية.
لم تكن المداخلة مجرد عرض للأفكار، بل غوصًا في الدلالات العميقة التي يحملها الخطاب، سواء على المستوى الزمني أو الديني أو السياسي أو الدبلوماسي. وقد كشف التليدي عن البنية المنطقية والفلسفة الكامنة وراء القرار، مبرزًا كيف يمثل الخطاب لحظة مفصلية في تاريخ القضية الوطنية، وكيف يرسم ملامح مرحلة جديدة تتطلب وعيًا استراتيجيًا ويقظة مستمرة. من خلال سبعة محاور متكاملة،
استعرض الأستاذ التليدي الأبعاد المتعددة لهذا القرار، بدءًا من المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الملك، مرورًا بالتوصيفات الرمزية والسيادية، وصولًا إلى التحديات المستقبلية والرهانات الدبلوماسية المعقدة التي تواجه المغرب في المرحلة القادمة.
المحور الأول: المسؤولية التاريخية وإشراك الشعب المغربي في صميم القرار
أوضح الأستاذ بلال التليدي أن القرار الملكي الأخير بشأن قضية الصحراء لم يكن وليد الصدفة أو مجرد إجراء إداري، بل هو فعل سيادي ذو دلالة زمنية منفصلة ومقصودة. لقد تم اختيار توقيته بعناية فائقة ليكون له معنى خاص، يختلف عن مجرد توقيت اتخاذ القرار.
يكمن هذا المعنى، حسب تحليل التليدي، في وجود ما أسماه “مصارعة قصدية” تهدف بشكل مباشر إلى وضع الشعب المغربي في صميم القضية الوطنية. هذه الخطوة لا تعكس فقط شفافية في التعامل مع ملف استراتيجي، بل هي تجسيد لمفهوم عميق لمسؤولية الحاكم.
فمن مسؤوليات الملك الأساسية، كما أبرز المتحدث، أن يطلع شعبه على كافة المستجدات المتعلقة بمصيره، وألا يتراخى أبدًا في هذه المهمة الجوهرية. إن هذه المسؤولية ليست مجرد واجب سياسي، بل هي جزء لا يتجزأ من العقد المعنوي الذي يربط الملكية بالشعب، وهي مسؤولية ملقاة على عاتق المؤسسة الملكية بشكل مباشر.
وعلى الرغم من أن ملف الصحراء، بتاريخه الممتد لخمسين عامًا، يثير بطبيعته ردود فعل حماسية وعاطفية جياشة، وهو أمر متوقع ومفهوم، إلا أن الخطاب الملكي الذي أعلن عن هذا التحول الاستراتيجي تميز بشكل لافت ببعده العقلاني. لقد جاء الخطاب، شكلًا وأسلوبًا ومضمونًا، ليندرج ضمن ما يُعرف بالخطاب العقلاني الرصين. فبدلًا من استثمار الشحنة العاطفية للقضية، اختار الخطاب أن يكون حاملًا لرسائل “موزونة” و”مقدرة بنسب مضبوطة”. كل كلمة وكل عبارة تم اختيارها بعناية لتوصل معنى محددًا بدقة، مما يعكس نضجًا استراتيجيًا ورؤية بعيدة المدى تتجاوز ردود الفعل اللحظية، وتؤسس لمرحلة جديدة من التعامل مع القضية على أسس من الواقعية السياسية والثقة بالنفس.
المحور الثاني: التوصيف الديني للقرار كـ “فتح مبين” ودلالاته التاريخية والرمزية
في سياق تحليله لخريطة الخطاب الملكي، توقف الأستاذ بلال التليدي عند ما اعتبره التوصيف الأول والأكثر دلالة للقرار، وهو “التوصيف الديني”.
لقد وصف الخطاب هذا الإنجاز بأنه “فتح مبين”، وهو مصطلح لا يحمل فقط معنى النصر أو النجاح، بل يمتلك حمولة رمزية وتاريخية هائلة في الوعي الإسلامي. وأشار التليدي إلى أن هذا المفهوم له إحالة واحدة وواضحة في التاريخ، وهي “فتح مكة”.
إن استدعاء هذا الحدث التاريخي المفصلي لم يكن اعتباطيًا، بل كان مقصودًا لإضفاء أبعاد قيمية وأخلاقية عميقة على القرار السياسي. ففتح مكة، كما شرح المتحدث، لا يُختزل في كونه مجرد انتصار عسكري، بل هو حدث يحمل في طياته دلالات متعددة.
أولًا، هو يمثل قيم “السلم والوحدة والاندماج”، حيث لم يكن الفتح قائمًا على الانتقام، بل على لم الشمل وتوحيد الصفوف.
ثانيًا، هو يجسد “سياسة العفو” في أسمى صورها، ونبذًا مطلقًا لـ”سياسة الانتقام”، وهي المبادئ التي تجلت في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة.
هذه القيم، بحسب التليدي، لم تكن مجرد إشارة عابرة في الخطاب الملكي، بل “تُرجمت بشكل أساسي” في فقراته، مما يمنح القرار المغربي بعدًا أخلاقيًا يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
إن هذا التوصيف الديني يضع القرار في سياق تاريخي وحضاري أوسع، ويربطه بلحظة تأسيسية في تاريخ الأمة، ويقدمه ليس فقط كإنجاز دبلوماسي، بل كخطوة تنسجم مع قيم التسامح والمصالحة والوحدة التي تشكل جوهر رسالة الإسلام. وبهذا، يصبح “الفتح المبين” توصيفًا يعزز الشرعية الروحية والمعنوية للقرار، ويؤطر التحرك المغربي ضمن رؤية حضارية شاملة.
المحور الثالث: الأبعاد السيادية للقرار وتداعياته الحاسمة على المستوى الدولي
انتقل الأستاذ بلال التليدي بعد ذلك إلى تفصيل “التوصيف السياسي” للقرار، والذي اعتبره حاسمًا في إعادة تعريف الوضع القانوني والسيادي للصحراء المغربية. وقد لخص هذا التوصيف في ثلاث نقاط جوهرية ومترابطة.
النقطة الأولى والأساسية هي أن هذا القرار جاء لـ”ينهي بشكل مطلق” التوصيف الدولي الذي كان سائدًا لعقود، والذي كان يصف الصحراء بأنها “إقليم تحت السيطرة الإدارية” المغربية، وليس تحت السيادة الكاملة. هذا التمييز الدقيق كان يُستغل من قبل الخصوم للتشكيك في شرعية الوجود المغربي. أما اليوم، فقد انتهى هذا التوصيف الدولي بشكل نهائي، ليحل محله الاعتراف بـ”السيادة المغربية” الكاملة وغير المنقوصة.
النقطة الثانية تتعلق بـ”السيادة الاقتصادية”، حيث أكد الخطاب على هذا البعد ردًا على ما وصفه بـ”المشاغبات” التي قامت بها عدد من الدول الأوروبية وحتى الاتحاد الأوروبي ومحاكمه، والتي كانت تستهدف الاتفاقيات الاقتصادية التي تشمل الأقاليم الجنوبية. إن تأكيد السيادة الاقتصادية، كما يرى التليدي، “يفتح بابًا كبيرًا لترتيب الأثر السياسي” على مستوى المبادرات الدبلوماسية المغربية، حيث يجب أن تتوقف كل أشكال الاستغلال السياسي لهذا الملف، وأن يتم التعامل مع المغرب ككتلة واحدة سياديًا واقتصاديًا.
أما النقطة الثالثة، فتتمثل في أن هذا القرار قد وضع إطارًا نهائيًا ووحيدًا لحل النزاع، وهو “مبادرة الحكم الذاتي”. لم يعد الحكم الذاتي مجرد مقترح ضمن مقترحات أخرى، بل أصبح، بفضل هذا التحول، هو “مبتدأ ومنتهى” أي عملية تفاوضية مستقبلية. لقد تجاوز مرحلة كونه مجرد فكرة أخذ مجلس الأمن “علمًا بها”، ليصبح هو المرجعية الوحيدة والأساس الذي لا يمكن تجاوزه لأي حل سياسي واقعي ودائم.
المحور الرابع: سياق القرار كثمرة للدبلوماسية المغربية النشطة والقراءة الاستراتيجية
أكد الأستاذ بلال التليدي أن القرار الملكي لم يأتِ من فراغ أو كهدية من أحد، بل هو تتويج طبيعي ومستحق لعمل دؤوب ومدروس قامت به الدبلوماسية المغربية على مدى سنوات. لقد جاء القرار “ثمرة لعمل دؤوب”، وهو ما لم يغفل الخطاب الملكي الإشارة إليه.
وفي شهادة شخصية، كشف التليدي عن تحول في قناعاته، حيث كان يعتقد في وقت سابق أن حل قضية الصحراء يمر حتمًا عبر “دعم الخيار الديمقراطي” في المغرب، وأن هذا هو السبيل الوحيد لكسب القضية. لكنه اعترف بأن هذا “البراديغم” قد تغير، فالواقع أثبت أن المغرب تمكن من تحقيق هذا الإنجاز الكبير والوصول إلى هذه المحطة المتقدمة، حيث أصبح الحكم الذاتي هو إطار التفاوض، دون أن يكون قد أنجز بالضرورة التحول الديمقراطي الكامل الذي كان يُعتقد أنه شرط مسبق. وفسر التليدي هذا النجاح بعاملين رئيسيين:
أولًا، “حسن قراءة المغرب للتحولات الدولية والإقليمية”، والقدرة على فهم الأوضاع الاستراتيجية المتغيرة وتوظيفها بذكاء لصالح القضية الوطنية.
وثانيًا، “الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها الجزائر”، والتي أضعفت موقفها وأفقدتها الكثير من أوراق الضغط التي كانت تملكها.
ومن المفارقات التي أبرزها المتحدث أن هذا الانتصار الدبلوماسي تحقق في ظل موجة من “التراجع الديمقراطي” ليس فقط على المستوى الإقليمي بل في العالم كله. وهذا يثبت، حسب رأيه، أن “البراديغمات التقليدية” في العلاقات الدولية، التي تربط بشكل حتمي بين الديمقراطية والنجاح الدبلوماسي، تحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة، أو على الأقل وضعها موضع تساؤل في ضوء التحولات الجيوسياسية الجديدة.
المحور الخامس: الانخراط الجدي والفوري للمغرب في تفعيل مبادرة الحكم الذاتي
أبرز الأستاذ بلال التليدي أن الخطاب الملكي لم يكتفِ بإعلان النصر الدبلوماسي، بل انتقل مباشرة إلى مرحلة العمل والتفعيل، وهو ما يعكس انخراطًا جديًا وفوريًا في ترجمة القرار إلى واقع ملموس. وقد تجلى هذا الانخراط في نقطتين أساسيتين.
النقطة الأولى هي التأكيد الواضح والصريح على أن المغرب “مقدم على تحيين مبادرة الحكم الذاتي”. استخدام مصطلح “تحيين” يحمل دلالة على الجاهزية والاستعداد للانتقال من الإطار العام للمبادرة إلى تفاصيلها الدقيقة. فالمغرب، كما يقول الخطاب بلسان حاله، “واجد”، وهو تعبير بسيط لكنه عميق، يعني أن المملكة ليست في مرحلة تنظير، بل في مرحلة تنفيذ. هذه الجاهزية تأتي كرسالة مباشرة للداخل والخارج، وكتفنيد للادعاءات السابقة التي كانت تتهم المغرب بتقديم مبادرة غامضة وغير مفصلة. فالمنطق السابق كان يقتضي عدم تفصيل المبادرة قبل الحصول على قبول مبدئي بها، حتى لا تُستغل التفاصيل لعرقلة المسار. أما اليوم، فالمغرب مستعد لتقديم التفاصيل لأنه يمتلك زمام المبادرة.
النقطة الثانية التي لا تقل أهمية هي الانخراط الجدي في “توفير شروط الحوار السياسي” بين المغرب والجزائر. لم يأتِ هذا من فراغ، بل استند إلى الآلية السياسية التي رحب بها قرار مجلس الأمن، والتي أشادت بجهود الولايات المتحدة الأمريكية في تسهيل المحادثات بين البلدين. وهذا يعني أن المغرب لا يسعى فقط إلى تطبيق رؤيته، بل يسعى أيضًا إلى خلق بيئة إقليمية ملائمة لهذا التطبيق، مدركًا أن الحل المستدام يتطلب حوارًا مباشرًا مع الطرف الحقيقي في النزاع.
المحور السادس: دعوة الملك إلى حل “لا غالب ولا مغلوب” وأبعادها الاستراتيجية العميقة
قدم الأستاذ بلال التليدي تفسيرًا استراتيجيًا عميقًا للدعوة التي وجهها الملك في خطابه إلى حل “لا غالب ولا مغلوب”، مؤكدًا أنها تتجاوز بكثير المنطق الأخلاقي أو التربوي القائم على التسامح بعد الانتصار.
إن هذه الدعوة، في جوهرها، تنطلق من فهم دقيق للمأزق الذي يواجهه النظام الجزائري. فالجزائر، على مدى خمسين عامًا، لم تستثمر فقط ملايير الدولارات في هذا الملف، بل قامت بما هو أخطر من ذلك: لقد “صنعت سردية” كاملة حول قضية الصحراء، وهذه السردية أصبحت جزءًا من عقيدة النظام، يتناقلها الجميع بما في ذلك معارضوه.
واليوم، مع هذا “التحول الكبير” الذي حققه المغرب، فإن شرعية النظام الجزائري
اليوم، مع هذا “التحول الكبير” الذي حققه المغرب، أصبحت “محل مساءلة”. فالإعلام الجزائري نفسه، حتى الأصوات التي كانت تساند النظام، بدأت تطرح تساؤلات وتنتقد الأداء الرسمي. في هذا السياق، تأتي دعوة الملك لتمثل، حسب تعبير التليدي، محاولة لـ”عتق النظام الجزائري” وتقديم “نافذة إغاثة” له.
إن نغمة المصالحة، والحديث عن حل الإشكالات بين الأشقاء، وعدم السعي لتزكية الخلافات والصراعات، يمكن أن تتحول إلى “مصدر شرعية” جديد للنظام الجزائري، أو على الأقل “رتق لأزمة الشرعية” التي يعيشها. فبدلًا من أن يظهر النظام بمظهر المنهزم الذي خسر رهانه التاريخي، يمكنه أن يقدم نفسه لشعبه على أنه اختار طريق الحكمة والمصالحة مع “الشقيق” المغربي. وبهذا، لا تكون الدعوة الملكية مجرد لفتة أخلاقية، بل هي مناورة سياسية ذكية تهدف إلى تسهيل قبول الجزائر بالواقع الجديد، وتفكيك العقبات النفسية والسياسية التي تمنعها من الانخراط في حل واقعي، وتوفير مخرج يحفظ ماء الوجه لنظام يواجه تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة.
المحور السابع: التحديات المستقبلية وضرورة اليقظة الاستراتيجية للمغرب
في ختام مداخلته، رسم الأستاذ بلال التليدي خريطة طريق للمرحلة المقبلة، محذرًا من مجموعة من التحديات التي تتطلب يقظة استراتيجية عالية.
أولًا، أشار إلى ضرورة الانتباه إلى أن الخصوم قد يتبنون استراتيجية مضادة، فكما عملوا في السابق على جعل “خيار الاستفتاء مستحيلًا”، قد يحاولون اليوم، بعد الانخراط في مسار الحكم الذاتي، أن يجعلوا “خيار الحكم الذاتي مستحيلًا” من خلال العرقلة والمناورة في التفاصيل.
ثانيًا، شدد على أهمية “الزمن السياسي”، فبينما كان لدى المغرب متسع من الوقت في الماضي (من 1991 إلى 2008 في مسار الاستفتاء)، فإن ولاية المينورسو الآن محددة بسنة واحدة، مما يضع الجزائر تحت ضغط دولي وأمريكي كبير، وهو عامل يجب استثماره بفعالية.
ثالثًا، طرح معادلة جديدة ومهمة: إذا لم يكن “الخيار الديمقراطي” شرطًا للوصول إلى هذا الأفق الجديد، فإنه سيصبح “شرطًا ضروريًا” في مرحلة “استحقاقات الحكم الذاتي”. فقضايا تفصيل الصلاحيات، وتوزيع السلطة والثروة، وعلاقة الإقليم بالمركز، كلها في جوهرها قضايا ديمقراطية.
رابعًا، دعا المغرب إلى المزاوجة بين سياستين متوازيتين: سياسة “اليد الممدودة” للحوار التي يمثلها الملك كرمز للبلاد، وسياسة “الضغط” المستمر على الجزائر دبلوماسيًا وسياسيًا.
خامسًا، أكد على ضرورة “ترسيم التحول” القانوني والسياسي بشكل كامل، من خلال ترتيب الأثر على المستوى الاقتصادي والدبلوماسي، وحسم قضية وجود الصحراء في اللجنة الرابعة، والتعامل مع وضع البوليساريو في الاتحاد الإفريقي، ومواجهة الضغوط في الاتحاد الأوروبي.
وأخيرًا، نبه إلى أهمية إعادة النظر في مهام بعثة “المينورسو”، فإذا كانت مهمتها السابقة مرتبطة بالاستفتاء، فيجب أن تتكيف مهامها مع الواقع الجديد، لتشمل حفظ الاستقرار ودعم المسار السياسي الجديد.


لا تعليق