نبيل شيخي
تطرح الدينامية الأممية المتسارعة التي يمر بها النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية تساؤلات استراتيجية جوهرية حول المآلات القريبة لهذا الملف، لاسيما في ضوء المعطيات والتسريبات المنبثقة عن جلسة المشاورات المغلقة لمجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم الثالث والعشرين من أبريل 2026. لقد جاء انعقاد هذه الجلسة، التي تم تقديم موعدها بطلب من الرئاسة الدورية للمجلس (البحرين) نظراً لضغط التطورات الجيوسياسية الملحّة في الشرق الأوسط والخليج، ليؤكد أن مسار التسوية قد دخل مرحلة مفصلية تتسم بالواقعية والبراغماتية. فمن خلال ما رشح من الإحاطات الثلاثية التي قدمها كل من المبعوث الشخصي للأمين العام “ستافان دي ميستورا”، ورئيس بعثة المينورسو والممثل الخاص للأمين العام “ألكسندر إيفانكو”، ومدير قسم السياسات والوساطة الأممية “آصف خان”، يتضح أن المنتظم الدولي بصدد الانتقال الفعلي من آليات تدبير الأزمة المفتوحة إلى هندسة الطي النهائي لهذا الملف الذي ألقى بثقله على المنطقة لعقود.
وتبرز أهمية هذه التحولات من خلال التشخيص الذي قدمه المبعوث الشخصي في إحاطته، والذي كشف، وفقاً لما تسرب عبر مصادر دبلوماسية وتقارير متطابقة، عن وجود زخم حقيقي ناتج عن جولات المشاورات الأخيرة مع الأطراف الأربعة، وفرصة مواتية للتقدم نحو حل نهائي وعملي ومستدام. وفي انتظار المزيد من التفاصيل فإن أهم ما يميز هذه الإحاطة هو الارتقاء بالنقاش حول خطة الحكم الذاتي المغربية من مستوى التقييم السياسي العام، بوصفها إطاراً جاداً وذا مصداقية والأساس الأكثر واقعية للتفاوض، إلى مستوى الخوض في التفاصيل التقنية والإجرائية. فالحديث داخل أروقة مجلس الأمن عن تفاصيل ترتبط بالإدارة المحلية، وآليات المشاركة، والضمانات المؤسسية، يعني تحولاً دالاً في التعاطي الأممي؛ حيث لم يعد النقاش متمحوراً حول طبيعة الحل، بل انتقل إلى دراسة كيفية تنزيل هذا الحل على أرض الواقع. وفي هذا السياق، تكشف التسريبات عن توجه دبلوماسي حثيث نحو إعادة جمع الأطراف قبل شهر أكتوبر 2026، بهدف صياغة إطار اتفاق، وآليات تحقق، وتحديد معالم مرحلة انتقالية للتنفيذ.
ويتقاطع هذا المسار الأممي المستجد بشكل بنيوي مع الدينامية الإجرائية المتمخضة عن مفاوضات مدريد، والتي أفرزت تشكيل لجنة تقنية متخصصة تعكف على بلورة محددات الاتفاق السياسي المرتقب. إن هذا التنسيق المتكامل، الذي يضع نصب عينيه اللقاء الرفيع المستوى المقرر عقده في الولايات المتحدة الأمريكية في شهر ماي المقبل، كخطوة تمهيدية لأفق أكتوبر 2026، يطرح تساؤلات جادة: إلى أي حد ستنجح هذه الدينامية في صياغة إطار تنفيذي ملزم ينهي الفراغ القانوني المفتعل ويترجم المبادرة المغربية إلى مؤسسات إدارية وقانونية فعلية تحظى بالضمانات الدولية؟
وما يدعم وجاهة هذه التساؤلات هو الزخم الدبلوماسي المتواتر الذي أعاد تشكيل النسق الجيوسياسي الإقليمي؛ بدءاً من الموقف الاستراتيجي للولايات المتحدة، مروراً بالتحول الجذري في الموقف الإسباني، وصولاً إلى التحرك الميداني والسيادي الأخير لفرنسا، والذي تجسد مؤسساتياً في زيارة سفير باريس إلى مدينة العيون في الخامس عشر من أبريل 2026، فضلاً عن التزايد المضطرد في عدد الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي المغربية. في ظل هذا المشهد، يتساءل المراقبون: كيف يمكن للأطروحة الانفصالية الصمود أمام هذا الإجماع الدولي المتصاعد؟ وهل تبقى هوامش مناورة للكيان الانفصالي في وقت تتسع فيه رقعة الاعتراف الميداني بمغربية الصحراء عبر افتتاح أكثر من ثلاثين قنصلية لدول إفريقية وعربية وأمريكية في الأقاليم الجنوبية، مما يحول الدعم السياسي إلى ممارسة سيادية تضيق الخناق المؤسساتي على دعاة الانفصال؟
على المستوى القاري، تفرض التحولات المتسارعة داخل بنية الاتحاد الإفريقي إعادة قراءة الخريطة الدبلوماسية. فمع الانحسار الملحوظ للكتلة الداعمة للكيان الانفصالي، والتي تراجعت إلى أقل من عشر دول، واصطفاف الأغلبية الساحقة (أكثر من أربعين دولة) إلى جانب المقاربة المغربية، تتزايد التساؤلات حول التبعات المسطرية لهذا الفرز، استجابةً لمنطق توازن القوى الراهن وانسجاماً مع الشرعية الدولية؟
ويتعضد هذا التساؤل المؤسساتي بالتآكل المستمر للشرعية التمثيلية التي طالما ادعتها جبهة البوليساريو. فهل يمكن لخطاب المظلومية الإيديولوجية أن يستمر في اجتذاب الدعم في ظل الانكشاف السوسيو-اقتصادي العميق؟ وكيف تستقيم ادعاءات التمثيل أمام التباين الصارخ بين النموذج التنموي المتقدم في الأقاليم الجنوبية للمملكة من بنيات تحتية واستثمارات مهيكلة، وبين المأزق الإنساني والاقتصادي والأمني المعقد في مخيمات تندوف، حيث تتحول البنية الانفصالية إلى عامل تهديد موضوعي يتقاطع مع تحديات الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء؟
وبالعودة إلى الشق الميداني والأممي، واستناداً إلى الإحاطة التي تم تقديمها في جلسة 23 أبريل والتي ركزت على التقييم الميداني للوضع الأمني والسياسي، تكتسي الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن في الثلاثين من أبريل 2026 أهمية بالغة باعتبارها مخصصة للمراجعة الاستراتيجية لولاية بعثة المينورسو، تفعيلاً لمقتضيات القرار 2797 المؤطر لعملها حتى 31 أكتوبر 2026. وفي سياق متصل، تبرز الزيارة التي أعلنت عنها الخارجية الأمريكية لنائب وزير الخارجية، كريستوفر لاندو، إلى منطقة شمال إفريقيا في الفترة الممتدة من 27 أبريل إلى فاتح ماي، لتطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تساهم هذه الزيارة في حلحلة المواقف والدفع في اتجاه التسوية وتجاوز العقبات المتبقية؟ فهذه الجولة الدبلوماسية، التي تستهل بالجزائر العاصمة قبل أن تحط الرحال بالرباط، تأتي عشية هذه المراجعة الاستراتيجية لـ “المينورسو”. وفيما تؤكد واشنطن أن الهدف هو دعم الاستقرار الإقليمي وتوسيع الشراكات الاستراتيجية، تشير القراءات إلى سعي أمريكي لانتزاع التنازلات الأخيرة في الجزائر، والتحضير لـ “المرحلة المقبلة” في الرباط. بناءً على هذه المعطيات، هل نشهد بداية تكييف لمهام البعثة مع التغيرات الميدانية والسياسية المستجدة؟ وما هي انعكاسات أي تقدم ملموس في المفاوضات السياسية على هيكلتها؟ ففي ظل الضغوط الدولية والمالية، لاسيما من الجانب الأمريكي، تشير التحليلات الدبلوماسية إلى أنه من الوارد جداً أن يؤدي الزخم السياسي الحالي إلى إعادة هيكلة دور البعثة أو تقليصه، ليتركز بشكل أدق على مرافقة مسار التنزيل الإجرائي للحكم الذاتي ودعم المبعوث الشخصي، بدل البقاء في مربع المهام الكلاسيكية المتجاوزة.
في محصلة هذه المعطيات، يبرز السؤال الجامع: هل تشكل تقاطعات الإرادة الأممية الراهنة، المدعومة بالنقاش حول التفاصيل التقنية لخطة الحكم الذاتي كما تبلورت في جلسة 23 أبريل واجتماعات سابقة، فضلاً عن الترتيبات المرتقبة للقاءات واشنطن والمحطة الحاسمة في أكتوبر 2026، فرصة تاريخية غير مسبوقة للطي النهائي للنزاع؟ إن مجمل المؤشرات السياسية والدبلوماسية والميدانية، إضافة إلى الانكشاف التنموي والعزلة المتزايدة للأطروحة المضادة، توحي بتهيئة بيئة مؤسساتية مكتملة الشروط للشروع الفعلي في التنزيل العملي للحكم الذاتي. وبذلك، يبقى مسار النقاش مفتوحاً حول طبيعة الخطوات التوثيقية والجدول الزمني الدقيق المفترض أن يتوج هذا المسار بإغلاق قوس هذا النزاع الإقليمي المفتعل بشكل نهائي. وضمن هذا السياق، تمثل المراجعة الاستراتيجية لبعثة المينورسو، منطلقا أساسا ينبغي أن تتمسك به الدبلوماسية المغربية، وحجر الزاوية لتحويل هذه المؤشرات إلى واقع قانوني ومؤسساتي يكرس الطي النهائي للملف تحت سقف السيادة المغربية.


لا تعليق