بقلم: خالد الطرابلسي

في سياق التحولات التي عرفها المغرب بعد دستور 2011، الذي رفع الجهة إلى مرتبة فاعل دستوري في بناء الديمقراطية الترابية وتحقيق العدالة المجالية، برزت الجهوية المتقدمة كأحد أهم المشاريع الاستراتيجية لإعادة تنظيم السلطة والمجال داخل الدولة

وقد قدمت هذه الجهوية بوصفها مدخلاً لترسيخ الديمقراطية الترابية وتحقيق التنمية وتقليص الفوارق المجالية، بما يعكس انتقال الدولة تدريجياً من منطق «دمقرطة المجال» إلى منطق «عقلنة المجال

غير أن تنزيل هذا الورش من خلال القانون التنظيمي رقم 111.14، باعتباره أول تجربة فعلية للجهوية المتقدمة، اصطدم باختلالات بنيوية متعددة، أبرزها التردد بين منطق نقل الاختصاصات إلى الجهات ومنطق الإبقاء على التحكم المركزي، إلى جانب تعثر عدد من البرامج التنموية الجهوية، وبطء تنفيذ المشاريع، وهشاشة الموارد البشرية، وضعف التنسيق بين الدولة والجهات

وفي هذا السياق، يأتي القانون التنظيمي رقم 31.26 المتعلق بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 111.14، حاملاً توجهاً جديداً يقوم على تعزيز النجاعة، وتسريع الإنجاز، وتقوية آليات التدبير والتنفيذ

فالجهوية المتقدمة في المغرب من منظور المشروع الجديد، لم تعد مجرد ورش إداري لتوزيع الاختصاصات بين المركز والجهات، بل أصبحت خيارا حقيقيا للدولة لإعادة صياغة علاقتها بالمجال والسلطة والتنمية

فهذا القانون لا يمثل مجرد تعديل تقني لقانون تنظيمي، بل يعكس مرحلة جديدة لرؤية متطورة حول مفهوم الدولة للجهوية المتقدمة، بعد حوالي عقد من تنزيل دستور 2011. كما يشكل

انتقالا من مرحلة التأسيس القانوني للجهوية إلى مرحلة مراجعة الفعالية العملية للجهوية، في إطار التحول نحو الدولة الاجتماعية التنموية

غير أن هذا التحول العميق يثير نقاشاً سياسيا، ديمقراطيا وحقوقيا كبيرا حول طبيعة الجهوية التي تتجه إليها إرادة الدولة، ومن تم يمكن طرح التساؤلات التالية

– هل يشكل القانون رقم 31.26 تعميقاً لمسار الجهوية المتقدمة كما أقرها دستور 2011؟ أم تراجعاً عنها؟

– هل فعلا يشكل هذا القانون توترا حقيقيا بين منطق النجاعة التقنية والاقتصادية ومنطق الديمقراطية المحلية والتدبير الحر؟

– هل يحقق هذا القانون التوازن المنشود بين النجاعة التنموية والشرعية الديمقراطية؟

في البداية، لابد من القول إن توقيت خروج هذا القانون مناسب جدا، إن لم يكن قد تأخر بعض الوقت. ذلك أن رهان المغرب الاستراتيجي على الجهوية، يتطلب التسريع بالتنزيل الحقيقي للجهوية، خاصة بعد تقارير كل من اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي الجديد (2021) والمجلس الأعلى للحسابات حول الجهوية المتقدمة (2023)، والتقارير الثلاثة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، ناهيك عن الالتزامات الدولية التي تعهد بها المغرب أمام شركائه الدوليين (الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي) بتسريع وتيرة اللامركزية

ويمكن القول كذلك، إن الاستحقاقات الكبرى التي يراهن عليها المغرب من بين العوامل الرئيسية التي عجلت بمراجعة القانون التنظيمي للجهات، وعلى رأسها كأس العالم 2030 الذي يتطلب ضرورة وجود جهات قوية قادرة على إنجاز مشاريع البنية التحتية

ومن نافلة القول إن القانون التنظيمي رقم 31.26 المغير والمتمم للقانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات، يحمل في طياته عدة إيجابيات، تعالج النواقص التي عرفتها تجربة عشر سنوات من التطبيق الفعلي للتجربة الجهوية. كما أنه يضم في مقتضياته عدة جوانب سلبية عرفت العديد من الانتقادات من طرف المعارضة، ومن طرف الفاعلين السياسيين والفقهاء الدستوريين

فقد عمد القانون التنظيمي الجديد على المستوى المؤسساتي والقانوني، إلى معالجة إشكالية بنيوية تتمثل في تداخل الاختصاصات بين مختلف المستويات الترابية (الجهة، الإقليم، الجماعة) ومع المصالح اللاممركزة للدولة. من خلال إعادة هندسة دقيقة للاختصاصات

وعالج كذلك موضوع ربط الاختصاص بالإمكانيات وربط المسؤولية بالقدرة على الإنجاز لجعل حد لمنطق الاختصاصات الفارغة، كما عاشته التجربة السابقة

وعلى المستوى المالي والاقتصادي، فقد حقق القانون الجديد طفرة كمية حقيقية، من خلال التزام الدولة بتحويلات لا تقل عن 12 مليار درهم سنويا. وهو ما يحول العلاقة المالية مع الجهات من منطق المنحة إلى منطق الحق، ويفتح المجال أمامها للتخطيط متعدد السنوات.

بالإضافة إلى ذلك، فقد أقر هذا القانون على المستوى التنموي، مبدأ استمرارية المرفق العمومي، وهو ما يشكل قفزة نوعية في الفكر القانوني المغربي لتكريسه المنطق المؤسساتي بدل المنطق الشخصي في تدبير الشأن العام.

ومن محاسن هذا القانون أيضا، إضافة اختصاصات جديدة للجهات، تتجلى في مواكبة التحولات الكبرى من خلال إدراج التنمية الرقمية استجابة لمتطلبات الاقتصاد المغربي، وإدراج الاقتصاد الاجتماعي والتضامني الذي يعكس وعيا بأهمية الاقتصاد البديل.

إلا أنه وفي المقابل، فسلبيات هذا القانون هي الأخرى متعددة، لكنها تحمل في طياتها أبعادا عميقة وإشكاليات بنيوية، تجسد تراجعا عن مبدأ الديمقراطية المحلية، لاسيما تراجع موقع المنتخب لصالح المعين، من خلال إسناد صلاحية تعيين المدير العام للشركة الجهوية للوالي بدل رئيس الجهة المنتخب، وهو ما يجسد إشكالا ديمقراطيا جوهريا، يحمل عدة دلالات:

– دستورية (مبدأ التدبير الحر، مبدأ التفريع، مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة)

– سياسية (تكريس وصاية إدارية مقنّعة عوض المساعدة والمصاحبة)

إلا أن الإشكالية الأكثر تعقيدا تتجلى في (مبدأ التدبير الحر) من خلال تكريس ازدواجية السلطة والمسؤولية: فرئيس الجهة المنتخب مسؤول عن البرامج، والوالي المعين يشرف على الشركة الجهوية، والمدير العام للشركة معين من قبل الوالي، مسؤول عن التنفيذ. وتتجلى خطورة هذه الإشكالية المؤسساتية في تحديد المسؤولية، وفي تحديد من سيساءل ويحاسب أمام الناخبين والمواطنين.

إن القانون المصادق عليه والذي أصبح قانونا منظما للجهات الترابية، يضعنا أمام عدة إكراهات دستورية ترتبط بمدى خرقه للعديد من المقتضيات والمبادئ الدستورية، من قبيل الفصل 136 من دستور 2011 الذي يحدد مبدأ التدبير الحر كأحد المرتكزات الأساسية للجهوية “يرتكز التنظيم الجهوي والترابي على مبادئ التدبير الحر، وعلى التعاون والتضامن، ويؤمن مشاركة السكان المعنيين في تدبير شؤونهم….”

وإذا ما عدنا إلى تعريف الفقهاء للتدبير الحر، فقد عرفه الفقيه محمد الطويل بأنه”شكل من الحرية والاستقلالية في تدبير الجماعات الترابية لشؤونها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، يمكن هذه الوحدات الترابية من تدبير شؤونها بنفسها، وتحديد وبلورة اختياراتها وبرامجها التنموية بكيفية مستقلة وديمقراطية.”

فهو يمنح إذن في إطار الركن الوظيفي للجماعات الترابية “سلطة التداول بكيفية ديمقراطية، وسلطة تنفيذ المداولات والمقررات”. وبالتالي، فإن مبدأ التدبير الحر يقوم على ركيزتين متلازمتين: سلطة التداول الديمقراطي وسلطة التنفيذ. وهو ما أقرته المادة 4 من القانون التنظيمي 111.14.

إلا أننا نلاحظ أن القانون رقم 31.26 قد كان له رأي آخر مخالف تماما للفصل 145 من الدستور الذي منح للولاة والعمال صلاحية المساعدة وليس صلاحية تنفيذ المخططات والبرامج. فقد حافظ هذا القانون فقط على الركيزة الأولى “التداول” وأضعف بشكل ملحوظ الركيزة الثانية “التنفيذ” وذلك من خلال جعلها بيد الوالي الذي منح صلاحية تعيين المدير العام للشركة الجهوية، التي منحت هي الأخرى صلاحية تنفيذ البرامج. وهذا الأمر يجعلنا أمام إفراغ حقيقي لمبدأ التدبير الحر من مضمونه وفلسفته. بل يجعلنا في تعارض صارخ مع مقتضيات الفصل 138من الدستور الذي ينص صراحة أن رؤساء مجالس الجهات والجماعات الترابية هي التي تقوم بتنفيذ مداولات المجالس ومقرراتها.

وقد ذهب المجلس الدستوري الفرنسي في قرارات عديدة (خاصة قرار 25 فبراير 1982، وقرار 28 ديسمبر 1990) اللذان أرسيا مبدأ جوهريا “كل قانون يفرغ التدبير الحر من جوهره يعتبر غير دستوري، حتى لو لم يلغه صراحة”.

وسيبقى على المحكمة الدستورية مسؤولية المراقبة والبت في مدى دستورية هذه المادة، علما أن المجلس الدستوري الفرنسي قد حسم مبكرا في هذا الموضوع بجعل مبدأ التدبير الحر مبدأ دستوريا، لا يجوز للسلطة التشريعية المساس به.

ومن بين المبادئ الدستورية التي تجاوزها القانون رقم 31.26 “مبدأ التفريع” المنصوص عليه في الفصل 140 من الدستور، الذي يتحدث عن اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واختصاصات منقولة إليها من هذه الأخيرة. وهو ما تؤكده المادة 4 من القانون التنظيمي رقم 111.14. ويفترض أن تختص الجهة بكل ما يمكن تدبيره على مستواها، إلا أن نص القانون التنظيمي الجديد بدا محافظا في هذا الأمر، حيث ظل المركز محتفظا بصلاحيات استراتيجية كان يمكن نقلها للجهات.

ويبقى خرق هذا القانون لمبدإ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” الذي يعتبر مبدأ دستوريا وحقوقيا أساسيا، أقره دستور 2011 لأول مرة في فصله الأول، والذي أصبح أحد أسس النظام الدستوري المغربي، وليس فقط في علاقته بالجماعات الترابية. يشكل اختلالا بنيويا في معادلة المسؤولية والمحاسبة.

فالمحاسبة في فلسفة الدستور تتجلى في أبعاد ثلاثة: سياسية، قانونية واجتماعية. لكن خرق هذا المبدأ، قد أدى إلى اختلال دستوري جوهري، وأصبح عائقا كبيرا في المعادلة. فمن جهة، المنتخب يتحمل المسؤولية السياسية أمام الناخبين، دون أن يتوفر على سلطة حقيقية، لكنه من جهة ثانية، لا يملك أدوات التنفيذ التي تخوله الوفاء بالتزاماته. مما يؤدي إلى أن تصبح المساءلة غير متوازنة، وغير موضوعية، وغير عادلة.

ومن خلال قراءة سياسية لهذا القانون، بالنظر إلى موازين القوى وفلسفة الإصلاح بين نموذج التحديث السلطوي ” نموذج تقني/ تحديثي” الذي يركز على النجاعة، والكفاءة الإدارية، والنتائج التنموية، مع الإبقاء على السيطرة المركزية على القرارات الاستراتيجية.

وبين نموذج اللامركزية الديمقراطية ” نموذج سياسي/ديمقراطي” الذي يركز على نقل السلطة الفعلية للمنتخبين المحليين، مع تحمّل الكلفة السياسية للأخطاء المحتملة.

نجد أن المشرع قد اختار النموذج الأول ” التقني/التحديثي” ويتبين ذلك من خلال إعطاء الأولوية للنجاعة على حساب الديمقراطية، بمبررات أهمها الكفاءة وتجاوز الارتجال. وهو ما يتجلى في تعزيز دور التكنوقراط ” المدراء العامون للشركات الجهوية”.

إن هذا البناء الاستراتيجي الجديد لمفهوم الدولة للجهوية المتقدمة، الذي نحا إلى ترجيح الكفة لصالح التكنوقراط على حساب المنتخب، له بكل تأكيد مبررات وعوامل ومنطلقات، أدت إلى تكوين قناعة لدى الدولة بهذا الاختيار. بحثا عن النجاعة والتنمية وعن الاستقرار والأمن الاجتماعي.

إلا أن هذا التوجه يقتضي منا طرح السؤال المحوري التالي:

هل يعني اختيار الدولة لهذا المسار فشل التجربة الديمقراطية المحلية؟

وبالتالي البحث عن بدائل. وهو سؤال يشكك في المنظومة برمتها، ويدفع إلى البحث عن أسباب هذا الفشل.

هل هو مرتبط بالبناء المؤسساتي للجهة الترابية الذي أقره القانون التنظيمي المؤسس رقم 111.14؟

وبالتالي فقد أثبت وجود ثغرات واختلالات ونواقص أدت إلى وجود تركيبة مؤسساتية، وقوانين عاجزة عن الوفاء بالأهداف والغايات التي أنشئت من أجلها الجهوية المتقدمة.

أم أن الأمر يتعلق بفشل الأحزاب في القيام بمهامها الدستورية، وإعداد نخب ذات كفاءة عالية، قادرة على تحمل مسؤوليتها السياسية في تدبير الشأن الجهوي؟

لاسيما وأن التنمية الجهوية قد أصبحت من الاختصاصات الأساسية بعد دستور 2011، وأصبحت رهانا كبيرا للنموذج التنموي الجديد.

يمكن القول إن ضعف الأحزاب السياسية وأزمة النخب شكلا من بين العوامل الرئيسية التي دفعت الدولة إلى تعزيز المقاربة التكنوقراطية على حساب المقاربة السياسية في القانون الجديد المنظم للجهات الترابية، بما نقل مركز الثقل تدريجياً من السياسي إلى التقني.

فدستور 2011 أقر رؤية استراتيجية، مفادها أن الجهة يقودها منتخبون يملكون الشرعية الديمقراطية، ويتوفرون على الكفاءة السياسية، ولهم القدرة على إنتاج التنمية.

إلا أن الواقع الذي أكدته تجربة عشر سنوات من الممارسة والتطبيق الفعلي للجهوية، قد أبانت عن ضعف التأطير الحزبي والتكوين التقني، وعن غياب نخب سياسية جهوية قوية، بالإضافة إلى هيمنة منطق الأعيان، والصراعات السياسية بين الأحزاب، ما أدى إلى تعثر تنفيذ المشاريع التنموية، وإلى عجز الجهات عن أداء وظائفها.

فكل هذه العوامل مجتمعة، دفعت إلى بروز قناعة كبيرة لدى الدولة، أن المنتخب يمتلك فعلا الشرعية الانتخابية، لكنه لا يمتلك في كثير من الأحيان القدرة التدبيرية والتقنية، الكافية لتدبير المشاريع التنموية التي أصبحت رهانا حقيقيا لمواجهة الاحتقانات الاجتماعية.

وهذا ما نبه إليه Giovanni Sartori المفكر السياسي الإيطالي حين ربط جودة الديمقراطية بجودة الفاعلين السياسيين، معتبراً أن أزمة المؤسسات تبدأ من أزمة النخب الحزبية.

إن خطر هذا الاختيار الذي سارت عليه الدولة، يتجلى في إضعاف السياسة، ما سينتج عن ذلك إضعاف النقاش العمومي، وتراجع الصراع الديمقراطي، وبالتالي تعطيل مبدأ الاختيار السياسي.

كما أن هذا الاختيار سيؤدي إلى تراجع المحاسبة الديمقراطية، لكون التكنوقراطي يملك السلطة التقنية، لكنه لا يملك الشرعية الانتخابية. مما سيؤدي إلى ما يمكن تسميته “بالمساءلة المزدوجة”. من الذي سيسائل الناخب، هل من يتحمل مسؤولية البرمجة؟ أم من يتحمل مسؤولية التنفيذ؟

إن المنظور الجديد للدولة حول الجهوية المتقدمة، انتصارا للمقاربة التكنوقراطية على حساب قيم الديمقراطية، يضعنا أمام سؤال استراتيجي، ماذا تفعل الدولة عندما تعجز الأحزاب عن إنتاج نخب قادرة على التدبير؟

إن هذا السؤال يضعنا أمام معادلة صعبة، فالأمر لا يخرج عن أحد الجوابين أو أحد الاتجاهين: إما أن تقوم الدولة بإصلاح الأحزاب وتقوية الديمقراطية المحلية، وهذا هو المفترض. أو تقوم بتعويض ضعف السياسة بصعود الإدارة والتكنوقراط.

ويبدو أن الدولة قد اختارت الحل الأسهل أي اللجوء إلى المقاربة الثانية، التكنوقراط.

لكن وأمام هذه المقاربة، ستواجه الدولة بسؤال استراتيجي آخر:

هل يمكن بناء جهوية متقدمة قوية بدون أحزاب قوية ونخب سياسية مؤهلة؟

لا جدال في أن التنمية قد تحتاج فعلا إلى الكفاءات وإلى التكنوقراط، لكن التدبير الترابي يحتاج هو الآخر إلى الديمقراطية، ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية دون الحديث عن السياسة، وعن التمثيلية، وعن المحاسبة الشعبية الحقيقية.

وهنا تكمن جدلية الديمقراطية والتنمية، أيهما أسبق وأيهما أولى، وماهي انتظارات المواطنين، هل في تحقيق ديمقراطية حقيقية تعكس إرادة المواطن، وتمنحه حرية الاختيار، وحرية التمثيل؟ أم في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية مستدامة، تستجيب لتطلعات المواطنين، وتحقق الأمن الاجتماعي والاقتصادي؟

لابد من الاعتراف بادئ ذي بدء، أن الحسم بين السؤالين، والاختيار بين النظريتين يضعنا أمام معادلة صعبة، بين الطموح والواقع، بين الأماني والإكراهات، وبين القناعات والتحديات. أو بعبارة أخرى بين اختيار منطق توسيع الديمقراطية الترابية ومنطق تحقيق النجاعة التنموية.

فالجهوية كآلية للديمقراطية الترابية، في إطار الفلسفة الدستورية الحديثة لا تختزل في بعدها الإداري أو الاقتصادي، بل ترتبط أساسا بتوسيع المشاركة السياسية، وتقريب القرار من المواطن، وتوزيع السلطة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

وقد اعتبر Alexis de Tocqueville المفكر السياسي والمؤرخ الفرنسي أن الديمقراطية الحقيقية تبدأ من المجال المحلي، لأن الجماعات الترابية تشكل فضاء لتعلم المواطنة والمشاركة.

كما أن شرعية القرار العمومي ترتبط بمدى مشاركة المواطنين في النقاش العمومي.

وهو نفس الرأي الذي أكد عليهJürgen Habermas الفيلسوف السوسيولوجي الألماني.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن الجهوية المتقدمة كما أرادها دستور 2011 تحمل رهانات دمقرطة الدولة، وتقوية الديمقراطية المحلية، بالإضافة إلى إشراك المواطن في صناعة القرار الترابي.

غير أن اختيار الدولة النموذج الترابي الجهوي الذي ينبني على منطق التنمية والنجاعة، والتحول من جهوية الديمقراطية إلى جهوية التنمية والفعالية. كان نتيجة عدة عوامل بنيوية وواقعية.

لا أستطيع الجزم أن التوجه الاستراتيجي الجديد للدولة بخصوص الجهوية المتقدمة، توجه خاطئ، لأنه في اعتقادي له مبرراته، وله أسبابه التي دفعت بالدولة إلى هذا الاختيار الصعب، كما أنه توجه يحمل عدة رسائل سياسية، من شأن الفقهاء الدستوريين، والمحللين السياسيين، قراءتها قراءة متأنية وعميقة، للخروج بحلول واقعية وقانونية تنسجم مع النموذج المغربي في الربط بين التنمية والديمقراطية.

دون أن ننسى أن الأحزاب السياسية لم تقدم مشروعا حقيقيا أو تصورا واضحا في هذا الشأن لتحديد موقف سياسي حول القانون 31.26 الذي يمكن اعتباره تحولا استراتيجيا في مفهوم الجهوية المتقدمة.

إن الرهان اليوم لا يقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة أو بسرعة التنفيذ، بل بقدرة القانون على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات النجاعة التنموية وضمانات الشرعية الديمقراطية.

فالتحدي الحقيقي للجهوية المتقدمة لا يتمثل فقط في تدبير التنمية، بل في بناء دولة ترابية حديثة تجعل من التنمية والديمقراطية مسارين متكاملين لا متعارضين.

ومن ثم، فإن مستقبل الجهوية بالمغرب لن يحسم بترجيح التنمية على الديمقراطية أو العكس، بل بمدى القدرة على التوفيق بينهما في إطار مؤسساتي يضمن الفعالية ويحفظ جوهر الاختيار الديمقراطي.

لا تعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *