في تعقيب فكري خلال ندوة حول “الصحراء المغربية”، قدم الأستاذ نبيل شيخي تحليلاً شاملاً للقرار الأخير الصادر عن مجلس الأمن، مؤكداً أنه لا يمثل مجرد إنجاز دبلوماسي، بل يشكل “اختراقاً كبيراً” و”منعطفاً حاسماً” يعيد تعريف معايير التعامل الدولي مع هذا النزاع الممتد.

واعتبر شيخي أن هذا القرار، بدلالاته السياسية والقانونية العميقة، يؤسس لتحول معياري جذري يمنح المبادرة المغربية للحكم الذاتي شرعية أممية غير مسبوقة، وينقل الملف من دائرته الكلاسيكية إلى أفق جديد يرتكز على الواقعية والحلول العملية.

وأوضح أن فهم أبعاد هذا التحول يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من مجرد نتيجة التصويت، ليشمل تحليل السياقات الدولية والإقليمية والداخلية التي أفضت إليه، بالإضافة إلى استشراف التحديات والفرص التي يطرحها على المغرب في المرحلة المقبلة.

المحور الأول: أهمية وجوهر القرار كمنعطف تاريخي وتحول معياري

أوضح الأستاذ نبيل شيخي أن القيمة الحقيقية للقرار الأخير لمجلس الأمن تكمن في كونه يؤسس لـ “تحول معياري” جوهري في كيفية مقاربة المجتمع الدولي لقضية الصحراء المغربية.

هذا التحول لا يقتصر على موازين التصويت، التي كشفت عن عزلة غير مسبوقة للجزائر باعتبارها الطرف الوحيد الذي صوت ضد القرار، فيما شكل امتناع قوتين وازنتين كروسيا والصين دلالة سياسية بالغة الأهمية، بل يمتد إلى جوهر المرجعيات القانونية التي يستند إليها المجلس.

فبعد عقود من التفسيرات الكلاسيكية لمبدأ “تقرير المصير” التي كانت تحصره بشكل شبه تلقائي في آلية الاستفتاء، جاء هذا القرار ليحدث قطيعة مع هذا الفهم التقليدي. لقد تبنى مجلس الأمن، بشكل ضمني وصريح في آن واحد، رؤية أكثر حداثة وواقعية، حيث اعتبر أن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب في عام 2007 هو في حد ذاته “تجسيد” عملي وشكل متقدم من أشكال تقرير المصير. وأشار شيخي إلى أن المجلس في قراره لم يأت بجديد من عنده، بل قام عملياً بترسيم وتضمين ما أكده المغرب في نصه الأصلي للمبادرة، وهو أن الحكم الذاتي يمثل ممارسة فعلية لحق تقرير المصير، مما يمنح المبادرة المغربية قوة قانونية وسياسية هائلة على الصعيد الدولي.

هذا الإقرار الأممي لم يكن وليد الصدفة، بل هو تتويج لتراكمات وتضافر مجموعة من العوامل الحاسمة:

أولها، التحولات العميقة في بنية النظام الدولي، وتغير موازين القوى الذي فرض على الفاعلين الدوليين البحث عن حلول مستدامة للنزاعات الإقليمية بدلاً من إدارتها.

وثانيها، التراكم الكبير الذي حققه المغرب على أرض الواقع في أقاليمه الجنوبية؛ فالمشاريع التنموية الكبرى والبنى التحتية والاستقرار الاجتماعي والأمني جعلت من عبارة “الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه” حقيقة ملموسة لا يمكن لأي مراقب دولي تجاهلها.

وثالثها، وهو عامل لا يقل أهمية، التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل والصحراء، حيث أصبحت التقارير الدولية تتحدث بشكل متزايد عن الارتباطات المشبوهة بين جبهة البوليساريو والتنظيمات الإرهابية، مما جعل استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة يشكل تهديداً مباشراً لمصالح القوى الكبرى، ودفعها نحو دعم حل سياسي واقعي يضمن الأمن والاستقرار، وهو ما يجسده مقترح الحكم الذاتي المغربي.

المحور الثاني: التحديات الجسيمة المطروحة على المغرب بعد القرار

على الرغم من الإشادة بالقرار واعتباره نصراً دبلوماسياً كبيراً، حذر الأستاذ نبيل شيخي من أن هذا المكسب يضع المغرب في الوقت نفسه أمام “تحديات كبرى وجسيمة” تتطلب عملاً دؤوباً وحكيماً على الصعيدين الداخلي والخارجي. ويتمثل التحدي الأول والأكثر إلحاحاً، في ضرورة الانتقال بمبادرة الحكم الذاتي من إطارها العام الذي قُدم عام 2007 إلى مرحلة البلورة التفصيلية. لم يعد كافياً الحديث عن المبادئ العامة، بل أصبح مطلوباً من المغرب اليوم تقديم نموذج مفصل ومدروس يوضح آليات تطبيق الحكم الذاتي، وهياكله الإدارية، وصلاحياته التشريعية والتنفيذية، بما يتوافق مع المعايير الدولية المتعارف عليها.

وطرح شيخي مجموعة من التساؤلات المحورية في هذا الصدد:

كيف سيتم إعداد هذا النموذج التفصيلي وطنياً؟

وبأية مقاربة تشاركية سيتم إشراك القوى الحية في البلاد من أحزاب سياسية وهيئات مدنية وخبراء لصياغته؟ وكيف يمكن الموازنة بين عنصر السرعة الذي تفرضه الدينامية الدولية للملف، وضرورة تحقيق “تملك” وطني حقيقي لهذا المشروع من قبل المغاربة، لضمان نجاحه واستدامته؟

أما التحدي الثاني، فهو يتعلق بطبيعة مسار المفاوضات. يرى شيخي أن الحل النهائي للقضية لن يتحقق عبر مسار المفاوضات الرسمي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة فحسب، لأن المشكل الحقيقي ليس مع جبهة البوليساريو، بل مع الجزائر. ومن هنا، دعا إلى ضرورة استمرار وتكثيف المقاربة الملكية السامية القائمة على اليد الممدودة والحوار المباشر والصريح مع الجزائر. واعتبر أن القرار الأخير وضع الجزائر في “وضع محرج” على الساحة الدولية، وهذا الوضع قد يشكل فرصة سانحة لفتح قنوات حوار بناءة تتجاوز الخطابات الرسمية المتصلبة، وتؤسس لتفاهمات حقيقية تعالج جذور المشكل، وتأخذ بعين الاعتبار المصالح المشروعة لكلا البلدين، بما يخدم استقرار المنطقة برمتها. إن التعامل مع هذين التحديين بجدية وفعالية هو ما سيحول الإنجاز الدبلوماسي إلى واقع ملموس على الأرض.

المحور الثالث: المقاربة الاقتصادية كمدخل استراتيجي لحل النزاع

في تحول لافت عن التحليلات التقليدية التي تركز على الأبعاد السياسية والقانونية، قدم الأستاذ نبيل شيخي رؤية استراتيجية جديدة، داعياً إلى تفعيل “المدخل الاقتصادي” كأداة فعالة لتحقيق اختراق في جدار الجمود الذي يطبع علاقة المغرب بالجزائر حول قضية الصحراء.

ويرى شيخي أن جوهر النزاع، في عمقه، ليس إشكالاً قانونياً يتعلق بتقرير المصير، أو سياسياً محضاً، بل هو بالأساس “إشكال نفوذ” داخل المنطقة.

وانطلاقاً من هذا التشخيص، أكد أن الوقت قد حان لكي يقفز المدخل الاقتصادي إلى واجهة المقاربة المغربية في التعامل مع الجزائر. ودعا إلى ضرورة صياغة خطاب اقتصادي واضح ومقنع، موجه ليس فقط للنخب الحاكمة في الجزائر، بل للشعب الجزائري والمواطنين في المنطقة، يوضح بالأرقام والمعطيات الملموسة أن حل مشكل الصحراء عبر تطبيق الحكم الذاتي ليس مكسباً للمغرب وحده، بل هو مشروع تنموي متكامل سيحقق منافع اقتصادية هائلة للجزائر والمنطقة المغاربية بأكملها.

وأشار إلى أن الجزائر لديها تطلعات اقتصادية مشروعة، كالبحث عن منفذ حيوي على المحيط الأطلسي لتسهيل تجارتها، وتحقيق مكاسب اقتصادية أخرى، وهي أمور يمكن ويجب أن تكون موضوعاً للنقاش والتدارس في إطار مقاربة “رابح-رابح” تضمن مصالح الجميع.

وانتقد شيخي في هذا السياق المشهد الفكري والسياسي المغربي الذي غالباً ما يركز في ندواته ونقاشاته على الأبعاد السياسية والقانونية للملف، ويغفل عن قصد أو غير قصد هذا البعد الاقتصادي الحيوي. واقترح في ختام هذا المحور، أن تنظيم ندوات وورشات عمل متخصصة حول “الأبعاد الاقتصادية لحل مشكل الصحراء وانعكاساتها على المنطقة المغاربية” سيكون مفيداً للغاية، ليس فقط لإغناء النقاش الداخلي، بل أيضاً لإنتاج أوراق ومقترحات عملية يمكن أن تشكل أساساً لحوار مستقبلي بناء مع الجارة الجزائر، وتقدم دليلاً ملموساً على أن التعاون والتكامل هما السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والازدهار لشعوب المنطقة.

المحور الرابع: ضرورة تعزيز الجبهة الداخلية كشرط أساسي لمواكبة التحولات

ربط الأستاذ نبيل شيخي بشكل وثيق بين النجاحات الدبلوماسية التي يحققها المغرب في الخارج، وضرورة تعزيز وتقوية الجبهة الداخلية، معتبراً أن مصداقية المغرب في طرحه لمبادرة الحكم الذاتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بمدى قدرته على تقديم نموذج ديمقراطي وتنموي داخلي متقدم وصلب.

وأكد أن المغرب مقبل الآن على مرحلة حاسمة تتطلب منه تقديم نموذج حكم ذاتي مفصل يتماشى مع أرقى المواصفات والمعايير الدولية، وهو ما يستدعي بالضرورة معالجة بعض “الاختلالات” الداخلية التي قد يستغلها الخصوم للتشكيك في جدية المقترح المغربي. وقدم مثالاً صارخاً على ذلك بمسار “الجهوية المتقدمة”؛ فبالرغم من أن جلالة الملك محمد السادس  أطلق فكرتها، وأقرها دستور 2011 كخيار استراتيجي لتغيير بنية الدولة، إلا أن تنزيلها على أرض الواقع ظل متعثراً ومتلكئاً، حتى كادت الفكرة أن “تتبخر” بعد انتخابات 2021، حيث لم ترق الممارسة إلى مستوى الطموح الذي حمله النص الدستوري. وشدد على أن الإسراع في تفعيل حقيقي وفعال للجهوية المتقدمة لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة ملحة، لأنها تمثل المدخل الطبيعي والميدان العملي لتهيئة الظروف لتطبيق حكم ذاتي ناجح في الأقاليم الجنوبية.

وفي سياق متصل، أكد شيخي على أن “انتخابات 2026” المقبلة يجب أن تكون “نموذجية” بكل المقاييس، من حيث النزاهة والشفافية والمشاركة، لكي تقدم للعالم دليلاً عملياً على نضج التجربة الديمقراطية المغربية وجديتها. وأضاف أن تعزيز الجبهة الداخلية يمر أيضاً عبر استكمال تسوية بعض الملفات الحقوقية العالقة، بما ينسجم مع التزامات المغرب الدولية، ويقطع الطريق على أي محاولة لاستغلال هذه الملفات للإساءة لصورة المملكة.

إن بناء جبهة داخلية قوية ومنسجمة، قائمة على ديمقراطية حقيقية وتنمية شاملة، هو الضمانة الأساسية لجعل النموذج المغربي أكثر جاذبية وإقناعاً، ليس فقط لسكان الأقاليم الجنوبية، بل للمجتمع الدولي بأسره.

لا تعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *