قاعدة في المناظرة “: لا نقاش في الفرع قبل الوضوح في الأصل

قاعدة في المناظرة “: لا نقاش في الفرع قبل الوضوح في الأصل


بقلم الدكتور خالد الصمدي

النقاش من داخل المرجعية مختلف تماما عن النقاش من خارجها ، ولو كنت مكان طلال الحلو لناقشت صاحبه الذي يحاوره عصيد في مرجعية النقاش وأرضيته أولا ،

لان المناقشة مع من نتقاسم معه نفس المرجعية يختلف من الناحية المنهجية عن من اختار لنفسه مرجعية أخرى، سواء في منطق الحجاج أو نوعية الخطاب ،

فالرجل كشف عن قناعاته العقدية وخرج من المنطقة الرمادية إلى الوضوح حين قال بعظمة لسانه في حوار لا يزال منشورا على اليوتوب الى اليوم ” الأديان كلها صناعة بشرية ” ولم يستثن منها شيئا ، ما يعني أنه لا يؤمن بالاسلام دينا سماويا خاتما منزلا من عند الله جاء به محمد عليه الصلاة والسلام حتى تلزمه أحكامه ونصوصه في الحوار ، وهنا أحيي فيه شجاعته في الإفصاح عن معتقده وأحترم اختياراته المعلنة فهذا حق يكفله له الاسلام نفسه حين قال تعالى ” فمن شاء فليومن ومن شاء فليكفر ” وحق إنساني مكفول له بمنطق حرية المعتقد التي يتحدث عنها على الدوام ، وهذا الاختيار المعلن عنه سيحدد وجهة النقاش ومنهجيته حتى لا يضيع في التفاصيل ،

فكيف سنقننعه في النقاش بالاستدلال بآية قرآنية أو حديث نبوي شريف ، بل كيف يسوغ لنفسه بأن يستشهد بآية أو حديث ما دام بحسب تصريحه لا يؤمن بهما وحيا إلهيا أصلا ،

لذلك فالنقاش معه قبل الاعلان عن قناعته ومعتقده، ليس كالنقاش معه بعد ذلك فتلك محطة فاصلة،

أذكر ذات مرة بداية التسعينات في نشاط طلابي في الجامعة أن طالبا قال لي ” الاسلام ظلم المرأة لأنه شرع العنف في حقها “

قلت : أين وجدت ذلك

قال: في القرآن

قلت : وهل تومن بكتاب منزل اسمه القرآن حتى أجيبك منه ؟

قال بكل جرأة : أنا لا أومن بدين أصلا،

قلت : إذن نقاشنا ينبغي أن ينصب على الاصل قبل الحديث عن أي فرع ، وتحول النقاش الى الدلائل العقلية على وجود الخالق وصدق الوحي ، وتلك محاضرة أخرى،

فليس من الصواب المنهجي مناقشة الفروع في غياب الوضوح في الأصل ، وهذه ليست دعوة إلى وقف النقاش وإنما هي دعوة إلى وضوح منطلقاته من أجل اختيار المنهجية المناسبة له فلكل مقام مقال، والضعيف هو من يحاول جر النقاش الى المنطقة الرمادية ليتستر فيها باللعب على الحبلين وهذا سر نجاح طلال في المحاورة كما لاحظ ذلك الجميع ،

وقد شاركت في حوارات مع المسلمين ومع غير المسلمين في غير ما مناسبة داخل الوطن وخارجه، فاستعملت في كل مقام ما يليق به ويفيد عملا بهذه القاعدة ” لا نقاش في الفرع قبل وضوح الأصل ” فكانت النتائج مفيدة ،

وحالة صاحبنا اليوم شبيهة بهذه الحالة فهو يناقش مثلا نظام الإرث في الاسلام ويدعو الى تعديله لأنه يظن انه سيطبق عليه كما ينطبق على سائر المغاربة المسلمين ، علما بأن هذا النظام وقواعده قد لا يعنيه البتة ما دام يعتقد ان الأديان كلها صناعة بشرية، واختلاف المعتقد كما هو معلوم مانع من موانع الإرث في الاسلام ،

ولذلك احتفظ المشرع المغربي لغير المسلمين بخصوصياتهم في التشريع في مدوناتهم الخاصة ، ولم يمنع الوصية بينهم وبين غيرهم مراعاة لعلاقة القرابة والنسب حين أجاز الزواج بالكتابيات وأحل أكل طعام ذبائحهم ، وتلك قمة الانصاف في التعامل مع المختلف في الدين والمعتقد ، وجادل المخالفين بمختلف مللهم ونحلهم بحجة العقل والمنطق وقياس الغائب على الشاهد ،

لذلك فالنقاش مع المختلف في المرجعية ينبغي أن ينصب على الأصل قبل الفرع لتحديد الوجهة وربحا للوقت،

فشيئ من المنطق يوصل الى المقصود بأقل مجهود ،

وعلى الله القصد وهو يهدي السبيل والسلام

لا تعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *