ماهر الملاخ، مخرج ومنتج أفلام وثائقية.
- الصهيونية ونيويورك.. من الحلف المقدس إلى الرمز المنكسر (1888–2025)
- قراءة تاريخية سيميائية
حين يفرز “قرن ونصف” اسما من صندوق الاقتراع
يميل الوعي العام في لحظات التحول إلى التقاط الحدث في صورته الفجائية، وكأن التاريخ يتحرك على هيئة قفزات معزولة لا جذور لها. وتجد تلك النزعة إلى الاختزال الحدثي تفسيرا لها في الحاجة الجماعية إلى الوضوح وإلى قصص مكتملة المعنى، تُسكِت ضجيج السؤال، وتعيد للإنسان شعوره بالسيطرة على مجرى الأشياء.
لكن خلف هذا الميل السردي تختبئ سيرورات بطيئة متداخلة، تتشكل في صمت طويل قبل أن تتجسد في لحظة تبدو وكأنها بداية كل شيء.
إن انتخاب زهران ممداني، يوم الثلاثاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، عمدة لنيويورك، والذي تداولته وسائل الإعلام وكأنه انبثاق مفاجئ من فراغ سياسي وثقافي، لا يمكن قراءته ضمن منطق “الانفجار”، بل ضمن منطق التراكم والتحول؛ فظهور ممداني على الساحة لم يكن صدفة، ولا هو نتيجة لحظة غضب اجتماعي عابرة، ولا حتى نتيجة تحولات مفصلية عظيمة تتالت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول فقط، بل هو حصيلة قرن ونصف من التحولات البنيوية في الوعي السياسي والاجتماعي والثقافي للمهاجرين، وفي علاقات الجنوب العالمي بالمركز الغربي، وصعود خطاب العدالة العابرة للهويات في وجه خطابات الإقصاء والانتقاء.
بهذا المعنى، يصبح الحدث علامة لا على “البدء”، بل على نقطة نضج في سلسلة طويلة من العلامات التاريخية، تمتد -إذا شئنا أن نُثبِت لها بداية ما- من إرهاصات تشكل الوعي اليهودي المهاجر بمدينة نيويورك في نهايات القرن الـ19، مرورا بنضالات التحرر، إلى إعادة تعريف الذات المهاجرة في فضاء ما بعد الكولونيالية.
لذلك، لا يمكن فهم انتخاب زهران ممداني إلا بوصفه لحظة زمنيةـ سيميائية، يتكثف فيها التاريخ ليُفصح عن ذاته في هيئة شخص، وفي فعل انتخابي يتجاوز السياسة إلى الرمزية. إنه تجلٍ دلالي لتاريخ طويل لا يزال في طور التحول؛ تاريخ أفرز وجها مناقضا للصهيونية التي نسجت معها نيويورك تحالفا ظل مقدسا إلى أن جاءت ليلة الاقتراع، لتكشف أن تلك القداسة، على طول امتداد زمانها، لم تكن سوى أسطورة مزيفة قابلة للتفكيك.
فبالرجوع إلى تاريخ المدينة، نجد أن الصهيونية في نيويورك لم تكن حدثا سياسيا عابرا، بل تجربة تأويلية في جوهر الوعي الغربي الحديث نفسه؛ فمنذ أواخر القرن الـ19، حين كانت المدينة تتحول من ميناء صناعي إلى عاصمة مالية وثقافية عالمية، تسلل إليها المشروع الصهيوني بوصفه مرآة مدنية لأسطورة الخلاص الديني.
في هذه المدينة، التي تخلقت من دينامية التبادل التجاري قبل الإجبار العسكري، ومن مركزية السوق قبل جغرافية الانفتاح، تحول “اليهودي المهاجر” إلى “فاعل رمزي”، وتحولت معه نيويورك إلى مختبر لإنتاج المعنى الإمبراطوري الجديد، حيث تزاوج المال بالقداسة، وتلبست السياسة بالأخلاق، وتحقق الربح بالرموز.
وعلى امتداد قرن ونصف من الزمان، تطورت العلاقة بين الطرفين عبر أربع مراحل كبرى: من التأسيس الرمزي إلى التشكل الإمبراطوري، ومن الارتياب النقدي إلى الانكشاف الأخلاقي.
ظهرت أول نواة صهيونية متأثرة بفكر ليو بنسكر ونيكولاي بيرتس، شكلها يهود أوروبا القادمون من روسيا وبولندا وليتوانيا سنة 1881، حيث رأوا في “صهيون” خلاصا واقعيا من مأساة الشتات
من الفكرة المقدسة إلى الإدارة المؤدلجة عبر التأسيس الرمزي (1888–1917)
سنة 1888، كانت نيويورك -أورشليم الجديدة كما كان يسميها المسيحيون البيوريتاريون- تعيش ذروة تحولها الصناعي؛ فكانت أحياء الجانب الشرقي السفلي تعج بمهاجرين من روسيا وبولندا، والمصانع على ضفاف نهر الشرق تنفث دخانها نحو سماء الإمبراطورية الجديدة. وفي ضجيج هذا الفضاء المتفاعل المشحون، توافدت التيارات اليهودية المختلفة، ومعها رؤى متباينة للوجود:
- السفارديون التقليديون، الذين فروا من محاكم تفتيش البرتغاليين بالبرازيل سنة 1654، حافظوا على إرث كنيس شياريث إسرائيل كأول كنيس يهودي في المدينة، بقيادة الحاخام هنري بيريرا ميندس، وظلوا يرون في الدين ملاذا روحيا لا مشروعا قوميا.
- اليهود الإصلاحيون مثلهم المفكر التقدمي إسحاق ماير وايز، الذي أسس تيار “اليهودية الأميركية”، واعتبر اليهودية ديانة لا قومية.
- بعده، حمل الأشكناز الاشتراكيون القادمون من ألمانيا -مثل موريس هيلكويت وماكس تايلر- نزعة أممية؛ فرأوا الخلاص في العدالة الاجتماعية، لا في العودة الجغرافية.
وفي مقابل تلك التيارات الثلاثة، ظهرت أول نواة صهيونية متأثرة بفكر ليو بنسكر ونيكولاي بيرتس، شكلها يهود أوروبا القادمون من روسيا وبولندا وليتوانيا سنة 1881، حيث رأوا في “صهيون” خلاصا واقعيا من مأساة الشتات. وفي هذا المناخ تأسست أول جمعية صهيونية أميركية باسم “أحباء صهيون”.
ثم جاءت سنة 1898 لتشهد الحدث النوعي الفاصل: استقبال أول وفد صهيوني رسمي في قاعة كوبر يونيون، بقيادة الأكاديمي الصهيوني ريتشارد غوتهايل من جامعة كولومبيا، والحاخام ستيفن صموئيل وايز، الذي أصبح لاحقا أحد أبرز دعاة الحركة الصهيونية في أميركا. ومن رحم هذا اللقاء وُلدت منظمة “اتحاد الصهاينة الأميركيين” -اختصارا FAZ- كأول تنظيم صهيوني منظم في العالم الجديد.
تلك اللحظة ستدشن تحالفا مزمنا بين الأيديولوجيا والتجارة، وبين الورع والدولار؛ فكما تحول الميناء التجاري إلى بورصة مالية، تحول الكنيس إلى مؤسسة اقتصادية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد نيويورك تستضيف الصهيونية، بل غدت تنتج لغتها المدنية، وتحول الخطاب التوراتي إلى مشروع اقتصادي بلغة أخلاقية تروج لها الصحف والبنوك.
بعد قيام إسرائيل سنة 1948، قاد العمدة ويليام أودواير احتفالات ضخمة في ساحة التايمز، بينما أصبحت صحيفة نيويورك تايمز -تحت إدارة آرثر سولزبيرغر- منبرا دائما للدفاع عن “الدولة الوليدة“
من التحالف الأخلاقي إلى التمدد الحضاري عبر التشكل الإمبراطوري (1917–1967)
مع وعد بلفور، 2 نوفمبر/تشرين الثاني 1917، انتقلت الصهيونية النيويوركية من التوقع إلى التشكل، ومن الفكرة الحالمة إلى السلطة الرمزية. وقد ساهم في ذلك طيف واسع من الزعامات اليهودية في نيويورك، بفضل احتضان “مدينة الإمبراطورية”، كما كان يسميها الحاكم جورج كلينتون منذ 1784.
ظهر في المدينة رجال دولة صهاينة من طراز:
- لويس براندايس، قاضي المحكمة العليا من بوهيميا، الذي قاد الجناح الليبرالي وأضفى على الصهيونية شرعية دستورية.
- فيليكس فرانكفورتر، أحد أبرز وجوه اليسار القانوني، وقد دعم المشروع الصهيوني من داخل الدولة الأميركية نفسها.
وفي المقابل، وقف الأشكنازي البروسي جوزيف كراوسكوبف ومواطنه الحاخام جوليان ماك من التيار الإصلاحي موقف الحذر، مؤكدين أن “يهودية نيويورك” ليست بحاجة إلى “صهيونية وطن جديد”.
وخلال الثلاثينيات والأربعينيات، اتخذ المشروع الصهيوني النيويوركي وجها خيريا إنسانيا مع بروز رموز نسوية مثل هنرييتا زولد، التي أسست سنة 1912 منظمة المرأة الصهيونية هاداسا، فربطت العمل الخيري في نيويورك بمشاريع الاستيطان في فلسطين.
وتوِج ذلك بلحظة إقرار برنامج بيلتمور في مايو/أيار 1942 بفندق بيلتمور وسط مانهاتن، بقيادة ديفيد بن غوريون، حيث تم الإعلان الرسمي لتبني إقامة دولة يهودية في فلسطين.. لقد كان “وعد بيلتمور” هو المعادِل الفعلي لوعد بلفور.
بعد قيام إسرائيل سنة 1948، قاد العمدة ويليام أودواير احتفالات ضخمة في ساحة التايمز، بينما أصبحت صحيفة نيويورك تايمز -تحت إدارة آرثر سولزبيرغر- منبرا دائما للدفاع عن “الدولة الوليدة”.
وفي الخمسينيات، تُوج المسار بتأسيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى سنة 1956 في مانهاتن، مع ظهور شخصيات مثل ناحوم غولدمان وأبا هيليل سيلفر.
وهكذا بلغت العلاقة ذروتها بين “عاصمة العالم”، كما كان يسميها الرئيس هاري ترومان، وبين المشروع الصهيوني؛ فكانت نيويورك ترسم الصورة وإسرائيل تحقق الحدث. وفي تلك اللحظة، بدت الجالية اليهودية لأول مرة وكأنها تمثل الإجماع الرمزي الغربي على النموذج “الأخلاقي” الصهيوني؛ غير أن ما بدا إجماعا كان يخفي وراء وحدته تناقضا عميقا ظل يتربص بها حتى انشطر.
جاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، فمُنحت إسرائيل موقع “الحليف الأمني”، غير أن مفكرين يهود مثل جوديث بتلر ومايكل ليرنر رأوا في ذلك انحرافا لاهوتيا يبرر القوة باسم الضحية
من الرمز المنقذ إلى المعنى الملتبس عبر الارتياب النقدي (1967–2008)
على عكس ما يظن كثيرون، شكل انتصار إسرائيل في حرب 1967 لحظة انكسار في الوعي اليهودي الأميركي، لا لحظة إجماع. فبينما رأى فيه البعض تحققا أخيرا لقوة يهودية طال انتظارها، رآه آخرون انقلابا أخلاقيا حادا حول “شعب الضحية” إلى قوة قادرة على إنتاج ضحية جديدة.
في نيويورك خصوصا، انشق الضمير اليهودي بين من تبنى السردية القومية المنتشية بالنصر، وبين من بدأ يقرأ إسرائيل بوصفها مشروعا استعماريا يهدد جوهر الرسالة الأخلاقية لليهودية. ففي الجامعات، قاد مفكرون مثل نعوم تشومسكي وهوارد زن نقاشات عاصفة حول أخلاق الحرب، وهو ما ألهم إدوارد سعيد في نيويورك كتابة نقده العميق لخطاب ما يمكن تسميته بـ”الاستشراق الصهيوني”.
منذ تلك اللحظة، لم تعد إسرائيل بالنسبة ليهود نيويورك علامة خلاص، بل أصبحت علامة تناقض؛ فهي رمز للقدرة من جهة، وللفقدان الأخلاقي من جهة أخرى. لقد كانت حرب الأيام الستة انتصارا عسكريا، لكنها سيميائيا كانت هزيمة في المعنى.
وفي داخل الجالية، ظهرت حركة بريرا عام 1973، برعاية حاخامات تقدميين، تدعو إلى الاعتراف بالحقوق الفلسطينية.
ثم تكرس ما كان يخشاه المعارضون اليهود حين حلت مجازر صبرا وشاتيلا (1982)، فعمقت التشقق؛ فانقسم المثقفون بين المحافظين الصهاينة (إرفنغ كريستول، نورمان بودنوريتز) وبين التقدميين (توني كوشنر، آرثر هيرتسبيرغ)، الذين نددوا بانحراف المشروع عن جذوره الأخلاقية.
وفي التسعينيات تجسد الانقسام سياسيا مع صعود خطاب “التحالف الغربي” لدى جولياني، بينما دعم كتاب مثل إريك ألترمان ونعوم غولدمان الابن حق النقد الحر لإسرائيل.
ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، فمُنحت إسرائيل موقع “الحليف الأمني”، غير أن مفكرين يهودا مثل جوديث بتلر ومايكل ليرنر رأوا في ذلك انحرافا لاهوتيا يبرر القوة باسم الضحية.
كانت تلك المرحلة زمن التصدع الدلالي؛ فلم تعد الصهيونية تمثل خلاص الجماعة، بل أصبحت تجسد مأزقها الأخلاقي العميق.
خلال حرب غزة 2014 ثم حرب 2023، خرجت آلاف التظاهرات، وقادها يهود تقدميون مثل نعوم كلين وبيتر بينارت وسارة روي، رافعين شعار: “ليس باسمنا” (Not in Our Name)
من القوة المبرَرة إلى المعنى المجرد عبر الانكشاف الأخلاقي (2008–2025)
مع الأزمة المالية سنة 2008، دخل التحالف بين الرأسمالية الصهيونية والضمير النيويوركي في تناقض واضح؛ فقد نشأت أجيال يهودية جديدة أكثر تحررا من عقدة الماضي، وأكثر انتماء إلى قضايا العدالة الكونية، وغلب انتماؤها لنيويورك على تعلقها بتل أبيب.
كما أن منظمات مثل:
- الصوت اليهودي من أجل السلام (Jewish Voice for Peace)
- إن لم يكن الآن (IfNotNow)
أصبحت تمثل روح جيل يرى في مقاومة الاحتلال واجبا أخلاقيا لا نقيضا للهوية.
وفي مقابل هذا التيار، تراجعت هيمنة مؤسسات مثل:
- رابطة مكافحة التشهير (ADL)
- لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (AIPAC)
وخلال حرب غزة 2014 ثم حرب 2023، خرجت آلاف التظاهرات، وقادها يهود تقدميون مثل نعوم كلين وبيتر بينارت وسارة روي، رافعين شعار: “ليس باسمنا” (Not in Our Name). ويمكن اعتبار توقيع أكثر من 500 حاخام ومفكر يهودي نيويوركي عام 2024 على بيان يطالب بوقف الدعم لإسرائيل تتويجا لذلك المسار.
وهكذا جاء انتخاب زهران ممداني في أكتوبر/تشرين الأول 2025 ليجسد التحول التاريخي؛ فقد لم تعد نيويورك تصفق لحق القوة، بل أصبحت تنحاز لقوة الحق.
في القرن العشرين، كانت نيويورك المعبد الذي تُصاغ فيه الأسطورة؛ أما في القرن الـ21، فقد أصبحت المنبر الذي يفضحها
من السوق إلى الضمير
إن تاريخ الصهيونية في نيويورك ليس مجرد سجل سياسي، بل هو رحلة في تحول الدلالة نفسها: من الإيمان إلى الإدارة، ومن الإدارة إلى الأدلجة، ومن الأدلجة إلى الانكشاف. لقد وُلد التحالف من حاجة الغرب إلى تبرير ذاته، لكنه انتهى حين لم يعد التبرير ممكنا.
ففي القرن العشرين، كانت نيويورك المعبد الذي تُصاغ فيه الأسطورة؛ أما في القرن الـ21، فقد أصبحت المنبر الذي يفضحها. ومع انكشاف الصورة، سقط آخر امتيازات القوة: امتياز أن تكون “الضحية المجرمة”.
واليوم، تبدو “التفاحة الكبرى”، التي علمت العالم كيف يُدار المال، تُعلمه من جديد -ولكن كيف يُدار الضمير- على يد جيلها الجديد. وسواء نجح زهران ممداني في امتحان التحديات القادمة أم تعثر، فإن جيله سينجب “ممدانيات” غيره، لتؤكد للعالم أن صفحة التحالف بين المدينة والأيديولوجيا العدوانية المتلفِعة بالأخلاق قد طُويت، وأن قرنا ونصفا من التواطؤ الرمزي قد حان أوان زواله.


لا تعليق