في تعقيب خلال ندوة منتدى المتوسط الأخيرة حول الصحراء المغربية، قدم الأستاذ نور الدين قربال رؤية تحليلية استراتيجية لمرحلة ما بعد القرار الأممي 2703، كاشفًا عن التحولات العميقة التي طرأت على المشهد السياسي والدبلوماسي للملف.
انطلق الأستاذ قربال من مقارنة منهجية بين الوضوح الذي ميز السردية التاريخية للقضية، والغموض الذي يكتنف المرحلة الراهنة، داعيًا إلى ضرورة تبني مقاربة استراتيجية جديدة تتسلح بالذكاء السياسي لمواكبة الرهانات المستقبلية واستثمار التحولات الجيو-سياسية العالمية لصالح القضية الوطنية.
المحور الأول: من الوضوح التاريخي إلى غموض ما بعد القرار
يستهل الأستاذ نور الدين قربال تحليله بتسليط الضوء على مفارقة جوهرية ترسم ملامح الفهم المعاصر لملف الصحراء المغربية، وهي المفارقة القائمة بين اليقين التاريخي والضبابية السياسية الراهنة. ففي حين أن استعراض تاريخ القضية يتم عادةً بدقة متناهية، مستندًا إلى وقائع صلبة وتواريخ محددة وسردية متماسكة لا تترك مجالًا للشك، فإن الخوض في مرحلة ما بعد 31 أكتوبر، تاريخ صدور القرار 2703، يدخلنا في جملة من التأويلات والاحتمالات.
يلاحظ الأستاذ قربال أن المتحدثين والمؤرخين حين يتناولون الجذور التاريخية للنزاع، فإنهم يقدمون حججهم مدعومة بتسلسل زمني واضح، وبوثائق ومعاهدات تشكل أساسًا متينًا للموقف المغربي. هذا الوضوح كان يمثل ركيزة أساسية في بناء الخطاب الدبلوماسي المغربي لعقود، حيث كانت الحجة التاريخية هي السلاح الأبرز في الدفاع عن وحدة التراب الوطني. لكن، وكما يشير المتحدث، فإن المشهد قد تغير جذريًا.
لم يعد النقاش يدور حول “ماذا حدث؟” بل حول “ماذا سيحدث؟”. لقد انتقل الملف من حقل التاريخ الموثق إلى فضاء السياسة المفتوح على كل الاحتمالات، وهو ما يصفه الأستاذ قربال بـ”دخول مرحلة التأويلات”، حيث أصبحت “خريطة الطريق” أقل وضوحًا مما كانت عليه في السابق.
هذا الغموض ليس بالضرورة سلبيًا، بل يعكس تحولًا في طبيعة المعركة الدبلوماسية، التي لم تعد تقتصر على إثبات الحق التاريخي، بل امتدت لتشمل القدرة على قراءة المتغيرات الدولية وصناعة المستقبل. وفي قلب هذا التحول، يبرز الخطاب الملكي كبوصلة استراتيجية، فعبارة جلالة الملك بأن “ما قبل 31 أكتوبر ليس هو ما بعده” ليست مجرد مقولة عابرة، بل هي، بحسب وصف الأستاذ قربال، “كلمة بليغة جدًا”. إنها تحمل في طياتها إقرارًا ببدء مرحلة جديدة، وإشارة واضحة إلى أن المغرب لن يبقى أسير نفس الأدوات والمقاربات السابقة. كما أنها تفتح الباب أمام “تحيين مشروع الحكم الذاتي”، مما يعني أن المقترح المغربي ليس صيغة جامدة، بل هو إطار مرن قابل للتطوير والتكييف مع المستجدات، وهو ما يمثل “فتحًا للأمل” ويؤكد على أن المغرب يمتلك زمام المبادرة للانتقال بالقضية نحو آفاق جديدة.
المحور الثاني: الإرادة السياسية والمصالح الاقتصادية كمحددات رئيسية
ينتقل الأستاذ نور الدين قربال في تحليله إلى مستوى أعمق، متجاوزًا الأبعاد القانونية والتاريخية الظاهرة، ليغوص في المحركات الحقيقية التي تشكل مواقف القوى الدولية تجاه قضية الصحراء.
يؤكد بشكل قاطع أن “الإشكالية هي إرادة سياسية” بالدرجة الأولى، وأن القانون الدولي، على أهميته، أصبح أداة مرنة في أيدي الدول الكبرى، يتم تكييفه وتفسيره بما يخدم مصالحها. ولدعم هذه الفكرة، يقدم قراءة سيميائية ذكية لنتائج التصويت في مجلس الأمن، داعيًا إلى تخيل سيناريو تقوم فيه روسيا أو الصين باستخدام حق النقض (الفيتو). ففي هذه الحالة، كما يقول، “لطاحت الخيمة”، في إشارة إلى أن مثل هذا الموقف كان من شأنه أن ينسف المسار السياسي برمته ويعيد القضية إلى نقطة الصفر. إن عدم حدوث هذا السيناريو، وامتناع هاتين القوتين عن التصويت، ليس موقفًا سلبيًا أو محايدًا، بل هو قرار سياسي مدروس بعناية، يعكس تحولًا في حساباتهما الاستراتيجية.
هذا التحول، كما يوضح الأستاذ قربال، مرتبط بشكل مباشر بـ”الفائدة الاقتصادية”. لم تعد المواقف الدبلوماسية تُبنى على أسس إيديولوجية أو تحالفات تاريخية جامدة، بل أصبحت محكومة بمنطق المصالح الاقتصادية والجيو-استراتيجية. ويقدم مثالين واضحين: الصين، التي وقع معها المغرب اتفاقية “طريق الحرير”، أصبحت ترى في المملكة شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه للولوج إلى الأسواق الإفريقية والأطلسية. وبالتالي، فإن امتناعها عن التصويت هو رسالة بأنها لن تضحي بمصالحها الاقتصادية المستقبلية الضخمة من أجل موقف سياسي تقليدي. وبالمثل، روسيا، التي وقعت مع المغرب اتفاقية استراتيجية في عام 2016، لديها استثمارات ومصالح حيوية، خاصة في مجالات الصيد البحري والطاقة، تجعلها تتبنى موقفًا براغماتيًا يضمن استمرارية هذه الشراكة. هذا الربط بين الإرادة السياسية والمصالح الاقتصادية يغير قواعد اللعبة، ويجعل من المغرب فاعلًا اقتصاديًا مؤثرًا، قادرًا على بناء تحالفات جديدة تتجاوز الانقسامات التقليدية. ويختتم الأستاذ قربال هذا المحور بطرح سؤال بلاغي عميق حول ازدواجية المعايير الدولية، مشيرًا إلى الأحداث في مناطق أخرى من العالم، ومتسائلًا: “أين هو القانون الدولي؟”، ليؤكد أن القوة الحقيقية في عالم اليوم لا تكمن في النصوص القانونية فحسب، بل في القدرة على بناء شبكة من المصالح المشتركة التي تجعل من استقرار المغرب ووحدته ضرورة استراتيجية لشركائه الدوليين.
المحور الثالث: المغرب في قلب التحولات الجيو-ستراتيجية العالمية
في الجزء الأخير من مداخلته، يضع الأستاذ نور الدين قربال قضية الصحراء في سياقها العالمي الأوسع، مؤكدًا أنها لم تعد قضية إقليمية معزولة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من التحولات الجيو-ستراتيجية الكبرى التي يعيشها العالم. يشير إلى أن البشرية تواجه أزمات متعددة الأبعاد: أزمات بيئية، مناخية، وطاقية، وهذه الأزمات تفرض على القوى الكبرى إعادة ترتيب أولوياتها والبحث عن شركاء جدد ومصادر جديدة للنمو والاستقرار.
وفي قلب هذا البحث العالمي، تبرز قارة إفريقيا باعتبارها “هي المستقبل”. فبفضل مواردها الطبيعية الهائلة، وطاقتها البشرية الشابة، وإمكاناتها الاقتصادية الواعدة، أصبحت إفريقيا الساحة الرئيسية للتنافس الدولي في القرن الحادي والعشرين.
وهنا، تكمن الأهمية الاستراتيجية القصوى للمغرب. فالمملكة، بفضل موقعها الجغرافي الفريد عند ملتقى أوروبا وإفريقيا، والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، ليست مجرد دولة إفريقية، بل هي “بوابة” طبيعية واستراتيجية نحو هذه القارة الواعدة. هذا الموقع يمنح المغرب دورًا محوريًا لا يمكن تجاوزه، ويجعله شريكًا ضروريًا لأي قوة عالمية تطمح إلى بناء نفوذ اقتصادي أو سياسي في إفريقيا. هذه المكانة المتميزة، حسب تحليل الأستاذ قربال، تخلق ما يسميه بـ”قابلية الآخر”، أي أن الدول الأخرى، مدفوعة بمصالحها الخاصة، أصبحت أكثر استعدادًا وتجاوبًا مع الموقف المغربي، لأنها تدرك أن استقرار المغرب وتنميته يصب في مصلحتها الاستراتيجية.
وبناءً على هذه المعطيات، يختتم الأستاذ قربال كلمته بتوجيه دعوة استراتيجية واضحة: “يجب على المغرب أن يتعامل مع هذه المرحلة المستقبلية بذكاء سياسي استراتيجي حقيقي”. هذا الذكاء لا يعني التسرع أو الانفعال، بل يتطلب رؤية بعيدة المدى، وقدرة على قراءة المتغيرات، واستثمار الأوراق الرابحة التي يمتلكها المغرب بهدوء وحكمة.
إن الدعوة إلى “السير سيرًا هادئًا” ليست دعوة إلى التباطؤ، بل هي دعوة إلى الثقة بالنفس، وإدارة الملف بحنكة ودراية، لأن الزمن والمصالح والجغرافيا، كلها عوامل أصبحت تلعب لصالح المغرب، وما عليه سوى استثمارها بذكاء للوصول إلى المستوى المطلوب وتحقيق أهدافه الوطنية.


لا تعليق