بسم الله الرحمن الرحيم؛

أود في البداية أن أعبر عن شكري وتقديري لمنتدى المتوسط على الدعوة الكريمة لي للمشاركة في هذه الندوة الهامة؛

وأنوه بكل المداخلات القيّمة للأساتذة الأفاضل، والتي تبدو متكاملة فيما بينها، بحيث تناول كل متدخل جانبا من موضوع الندوة. ولعل المداخلات الثلاث تلتقي في نقطتين رئيسيتين: الأولى، توضح أهمية القرار الأممي، والذي يشكل منعطفا جوهريا في النهج الأممي لتدبير النزاع؛ في حين تتمثل النقطة الثانية في الحاجة إلى صيغة مغربية للحكم الذاتي، تأخذ بعين الاعتبار السياق التاريخي والسياسي للنزاع. في هذا الإطار، أود أن أعبر عن الأفكار التالية:

أولا: القرار 2797 وتحول النهج الأممي في تدبير النزاع

1- تقارن العديد من الدراسات حول الحكم الذاتي المقترح المغربي مع نماذج أوربية، سواء في إسبانيا أو البرتغال أو غيرهما، لكنها تغفل أن تلك التجارب تطورت في سياقات داخلية خاصة، حسم فيها الصراع أو التفاوض بين المركز ومناطق الحكم الذاتي، وتمت تسويتها في إطار القانون الوطني الداخلي. وبالتالي لم تعرف تدويلا للنزاع بشأن جهات الحكم الذاتي، ولا تدخلا للأمم المتحدة وآلياتها. في المقابل، تبدو الحالة المغربية في وضع مختلف، لأن الصحراء موضوع نزاع دولي، صدرت بشأنه تقارير وقرارات وتوصيات من الأمم المتحدة وهيئاتها (الأمين العام، مجلس الأمن، محكمة العدل الدولية، اللجنة الرابعة…)، وهذا معناه أن التفكير اليوم في صيغة للحكم الذاتي بقدر ما يجب أن تكون مغربية، بقدر ما يجب أن تستحضر مبادئ القانون الدولي العام.

2- أننا إزاء نزاع يتأثر بتحولات النظام الدولي، جرت محاولات تسويته بواسطة القوة/ الحرب خلال الفترة ما بين (1976-1991)، أي زمن الحرب الباردة ومرحلة الثنائية القطبية، حينها ضغطت التوازنات الدولية في اتجاه فرض حل تقليدي على أساس مبدأ تقرير المصير، وبما يفضي إلى الاستقلال/الانفصال، ولعل أسوأ فترة مرّ بها النزاع حول الصحراء، هي الفترة التي صدر خلالها القرار 37/34 لسنة 1979، والذي لا زالت المحكمة الأوربية تستند عليه في قراراتها، بما فيها القرار الأخير. لكن هذا الخيار استنفذ أغراضه مع التحول في النظام الدولي من الثنائية القطبية إلى الأحادية القطبية. خلال المرحلة الجديدة في تطور النظام الدولي، وقع تحول تدريجي في النهج الأممي لتدبير النزاع، تمثل في الابتعاد عن الحل التقليدي الذي يربط تقرير المصير بالاستقلال، نحو تكريس الحلول التوافقية العملية (كوسوفو، قبرص، أبخازيا…).  ونلاحظ بخصوص قضية الصحراء، أن الأطراف اهتدوا منذ القرار 690 لسنة 1991 إلى “التسوية السلمية” وتسهيل الاستفتاء حول خياري الاستقلال أو الاندماج. وهو الحل الذي جرّبته الأطراف تحت إشراف الأمم المتحدة طيلة فترة التسعينيات دون جدوى.

3- حاول المبعوث الأممي جيمس بيكر إثر تعيينه سنة 1997 إنقاذ “مخطط التسوية” الأممي، لكن الخلاف حول تسجيل الناخبين بين المغرب وجبهة البوليساريو، وصعوبة إيجاد حل لتلك الخلافات أقنع الأمم المتحدة بتعليق ذلك المخطط سنة 1998. وفي سنة 2001، تقدم بـ”خطة السلام” الأولى، التي وافق عليها المغرب ورفضتها الجزائر وجبهة البوليساريو، ثم تقدم بـ”خطة السلام” الثانية سنة 2003، رفضها المغرب ووافقت عليها الأطراف الأخرى. وعلى إثر فشل بيكر في إقناع أي من الأطراف بالخطة الأولى أو الثانية، استقال من مهمته مبعوثا أمميا، وبرحيله تعزز الاقتناع لدى الأمم المتحدة بصعوبة الوصول إلى حل تقليدي ولو في إطار منطق “التسوية السلمية”، وقد بدأت حينها في تغيير الاتجاه نحو البحث عن “حل سياسي توافقي”.

4- في 2003، تبنى مجلس الأمن القرار 1495 يؤكد في ديباجته على “الحاجة الماسة إلى حل سياسي، نظرا لعدم إحراز تقدم في تسوية النزاع”. وفي إطار الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على النزاعات بالطرق السلمية. عبّر مضمون القرار المذكور عن نهج أممي جديد في تدبير نزاع الصحراء، يبتعد تدريجيا عن منطق الحل التقليدي الذي يربط تقرير المصير بالانفصال أو الضم وعبر آلية الاستفتاء أساسا، نحو البحث حل سياسي توافقي وعملي. وهو التحول الذي سيدفع المغرب إلى طرح “مبادرة الحكم الذاتي”، قدّمها للأمم المتحدة سنة 2007، ولقيت ترحيبا ملموسا في قرار مجلس الأمن 1754 لسنة 2007، الذي وصف الجهود المغربية بـ”الجدية والمصداقية”، ودعا بناء على ذلك كافة الأطراف إلى الدخول في “مفاوضات بدون شروط مسبقة وبحسن نية”. 

5- لقد انخرط مجلس الأمن منذ تبنيه القرار 1754 بالإجماع، في عملية بناء توافقي للحل السياسي، عبر عمل دبلوماسي طويل وصعب، يأخذ بعين الاعتبار التوازنات الهشة داخل مجلس الأمن، والمصالح المتناقضة للقوى، لكنه يراهن باستمرار وبدون كلل على الخطوات الصغيرة والجزئية لكن التراكمية، التي قد تحصل نتيجة تنازلات متبادلة، لكن تحرص بإصرار على بناء التوافقات، ومنع انهيار المكتسبات السابقة أو التراجع عنها. في هذا السياق، تبدو جميع القرارات التي صدرت خلال الفترة ما بين 2007 و2024، وكأنها عملية نسج حذرة ومتأنية، تراهن على عامل الزمن، وعلى الفرص النادرة، لكن الحريصة على بناء التوافقات في بيئة سياسية غير مستقرة، تتميز بالتحولات القاسية التي يعيشها حاليا النظام الدولي. وهي الفترة الذي طوّر فيها المغرب استراتيجية متعددة الأبعاد، تقوم على تعزيز التحالفات (دول الخليج، دول افريقية، أمريكا، أوربا..) وبناء الشراكات مع القوى الدولية مثل روسيا والصين، والقوى الصاعدة أيضا مثل الهند والبرازيل وتركيا، واقتحام مناطق جديدة مثل شرق افريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق أوربا، عبر خلق مصالح حيوية متبادلة، وهي استراتيجية رفعته إلى مستوى القوة الفاعلة في شمال وغرب افريقيا، عززت من موقعه التفاوضي إقليميا ودوليا.

6- في هذا السياق الواسع، صدر قرار المجلس الأمن 2797 لـ31 أكتوبر 2025، والذي يشكل تتويجا لمسار بناء الحل التوافقي من داخل مجلس الأمن، وفي الوقت نفسه منعطفا نحو مرحلة جديدة في تدبير النزاع، سواء من حيث الشكل أو اللغة أو المضمون. ويمكننا أن نقرأ ذلك في ثلاثة مرتكزات تضمنها القرار: الأول، أنه قرار توافقي، صدر بأغلبية قوية داخل مجلس الأمن(11 من 15)، ودون اعتراض من أي دولة، بما فيها الجزائر التي فضلت عدم المشاركة في التصويت. ولذلك، فهو مكتسب حاسم يصعب معه التراجع عن التراكم المحقق في مسار بناء حل سياسي توافقي، عملي وواقعي. ويؤكد مرة أخرى نجاعة الحلول التوافقية الواقعية بالنسبة للنهج الأممي في تسوية النزاعات. المرتكز الثاني، أن القرار نص صراحة ولأول مرة بأن يكون مقترح الحكم الذاتي المغربي “أساس” التفاوض من أجل حل سياسي توافقي، بدون شروط مسبقة وبحسن نية. ومع أنه فتح الباب أمام إمكانية تقديم اقتراحات أخرى، إلا أنه اشترط أن تكون في إطار مبادرة الحكم الذاتي. وقد كلّف القرار الآمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي ليس بتيسير المفاوضات فقط بل بقيادتها، كما أشار إلى ذلك المبعوث الأممي ديميستورا، في إضاءاته حول القرار. المرتكز الثالث، أن القرار يحدد ضمنا الحل النهائي للنزاع، إذ ينص صراحة، ولو في ديباجة القرار وليس في متنه، على أن يكون الحكم الذاتي “تحت السيادة المغربية”. وهذا يعني أننا إزاء بداية جديدة، قد تكون صعبة ومعقدة، لأن الحكم الذاتي وإن كان أحد الأشكال الثلاثة لمبدأ تقرير المصير وفق القرار 1541 لسنة 1960، فإن هذا الأخير لا يحدد لنا آليات تنفيذه (استفتاء، استشارة شعبية، مفاوضات شاملة)، ما يقتضي التفكير في صيغة مغربية للحكم الذاتي.

ثانيا: في الحاجة إلى صيغة مغربية للحكم الذاتي

1- بالرغم من تأكيد القانون الدولي على مبدأ تقرير المصير، باعتباره قاعدة آمرة، وأن تفعيله يمكن أن يكون من خلال الاستقلال وتأسيس دولة، أو الارتباط الحر والطوعي والديمقراطي بدولة ذات سيادة، أو من خلال الاندماج لدولة ذات سيادة، إلا أنه لا يشترط آلية محددة للتنفيذ. صحيح أن الممارسة الأممية تعزز من آلية الاستفتاء، لكنها لا تمنع استعمال آليات أخرى كالمفاوضات الشاملة مثلا. وعموما، إذ يؤكد القرار الأممي الأخير 2797 على الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، فهو يلح على أن يكون ذلك بما “يضمن تقرير مصير شعب الصحراء الغربية”.

2- يبدو الجمع بين ثلاثية: الحكم الذاتي والسيادة المغربية وتقرير المصير متناقضا في أذهان البعض، وقد تدفع الأطراف الأخرى إلى الرهان على إفراغ القرار من محتواه، انطلاقا من الإشارة إلى مبدأ تقرير المصير في صلب القرار مرة أخرى. والحال أن هذه القراءة تغفل التطورات الحاصلة في النهج الأممي لتدبير النزاعات كما سبقت الإشارة، أي تفضيل الحلول التوافقية، الواقعية والعملية. وهو نهج وصفته محكمة العدل الدولية في رأي لها سنة 2010 حول قضية كوسوفو بـ”الممارسات المعاصرة” لمجلس الأمن، الذي يجوز له وضع “شروط تقييدية” على أي قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام، مثل مبدأ تقرير المصير. ففي الرأي الاستشاري المذكور، اعتبرت المحكمة أن أي مخالفة للشروط التقييدية لمجلس الأمن يعتبر مخالفة للقانون الدولي العام نفسه.

3- نص قرار مجلس الأمن 1244 لسنة 1999 الخاص بكوسوفو على تسوية للنزاع، تمنح الحكم الذاتي للإقليم المنفصل عن يوغوسلافيا سابقا، لكن القرار نفسه لا يمنعها من الاستقلال. وبالفعل، وافق الكوسوفيون على خيار الحكم الذاتي الموسع، لكن في 2008 أعلنت سلطات الحكم الذاتي في كوسوفو عن الاستقلال وتأسيس دولة، لأن قرار مجلس الأمن لا يمنع كوسوفو صراحة من الاستقلال. بالمقابل، تبنى مجلس الأمن في قضية قبرص القرار 1251 لسنة 1999 يمنع القبارصة الأتراك من الاستقلال مسبقا، ويؤكد على الحل في إطار دولة قبرص ذات سيادة واحدة، وشخصية دولية واحدة، وجنسية واحدة. بمعنى أن مجلس الأمن أعطى لنفسه الحق في تحديد المركز القانوني الدائم لقبرص، وتقييد حق القبارصة الأتراك في الاستقلال وتأسيس دولة مستقلة خاصة بهم. وهي ممارسات متكررة في عمل مجلس الأمن، وفي حالات أخرى مثل أبخازيا، وصرب البوسنة(صربسكا)، وغيرهما.

4- باستحضار “الممارسات المعاصرة” لمجلس الأمن الدولي، يمكن القول إن القرار الأممي حول الصحراء المغربية ينحو المنحى نفسه، فهو حين يؤكد على الحل السياسي التوافقي، على أساس مقترح الحكم الذاتي، وفي إطار السيادة المغربية، وبما يضمن تقرير المصير، يرسل إشارة قوية للأطراف بأن المجلس يمكنه أن يقرر حلا سياسيا يتضمن تقريرا للمصير وفق “شروط تقييدية”، أي في إطار السيادة المغربية. وهو خيار قانوني تماما وفق رأي محكمة العدل الدولية المشار إليه سابقا. وعليه، يمثل القرار 2797 رسالة ضغط قوية على الجزائر وجبهة البوليساريو من أجل الانخراط في المفاوضات “بدون شروط وبحسن نية”. ولعل قرار التمديد سنة أخرى لبعثة المينورسو حتى 31 أكتوبر 2026، يكون فرصة أخيرة لأطراف النزاع، أي المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، من أجل الانخراط الجدي للوصول إلى حل توافقي.

5- وفي حال سارت الأمور على نحو إيجابي، أي انخراط الأطراف في مفاوضات جدية، فإن الجلسة المقبلة لمجلس الأمن في أكتوبر 2026، قد تشهد الإعلان عن تسوية نهائية لهذا النزاع المفتعل. لكن تبقى كل الاحتمالات ممكنة، لأن الانخراط في مشروع مثل هذا سيكون مكلفا لجميع الأطراف، بل زلزلة سياسية لكل من جبهة البوليساريو والجزائر. أما بخصوص المغرب، فإن الحكم الذاتي، ينطوي، مهما كان شكله النهائي، على ضرورة إحداث تمايز واضح بين مجال الدولة ومجال السلطة. الأول، أي مجال الدولة، بوصفه مجالا للإجماع حول الثوابت الوطنية، المتمثلة في: الوحدة الترابية/الوطنية، الدين الاسلامي، النظام الملكي، والاختيار الديمقراطي. وهي ثوابت ستكون موضوع إعادة هيكلة وتثبيت وتجديد، خصوصا وأن الثابت الديمقراطي منها لم يعرف التراكم المتوقع منذ اعتماده في دستور 2011. أما المجال الثاني، أي مجال السلطة، بوصفها مجالا للصراع والتنافس أو التعاون والتحالف. فهي تستدعي تحرير اللعبة السياسية، وهو تحدي جوهري للمؤسسات القائمة.

6- والواقع أن المغرب مطالب بالتفكير في صيغة مغربية للحكم الذاتي، تستفيد من التجارب المقارنة وتستحضر مبادئ القانون الدولي، لكن في حدود المصلحة الوطنية العليا. من هنا وجب التفكير مثلا في حدود “تجزئة السيادة”، لأن خيار الحكم الذاتي يتطلب إعادة هيكلة بنية الدولة بين (المركز، الحكم الذاتي، الجهة). وبناء توازن إيجابي بين الوحدات الثلاث على أساس ديمقراطي وفي إطار الوحدة الوطنية. من المحتمل أن يفضي الحكم الذاتي إلى سلطة موازية في الصحراء، وقد يحفز ذلك الجهات القائمة للمطالبة باختصاصات أقوى. وهي تحديات تحمل معها مخاطر أيضا. وأبرزها التحدي الدستوري: هل سنستوعب كل ذلك في إطار دستور واحد أو بإضافة ملحق دستوري، أم دستوران؟، لا شك أن كل خيار يحمل مخاطره.

7- وعموما، تميل الدراسات حول الحكم الذاتي من قبيل كتاب “الحكم الذاتي: حلول مرنة للنزاعات العرقية” للباحثة روث لابيدوث، إلى تصنيف المقترح المغربي ضمن “الحكم الذاتي الإقليمي”، إلى جانب نماذج مثل “كتالونيا” في اسبانيا، و”الآزور” في البرتغال، التي تتقاسم السلطة مع المركز في إطار مبادئ وحدة السيادة، وحدة الشخصية القانونية الدولية، وحدة المواطنة والجنسية. لكن ينبغي التذكير أن تلك النماذج تطورت في سياق داخلي وعلى مدى زمني مديد، بينما تفرض التزامات المغرب مع المجتمع الدولي الانخراط والتفاوض حول نموذج لن تحدده مواقف ومصالح أطراف النزاع فقط، بل تفرضه مصالح القوى الدولية والإقليمية التي ترى في الصحراء بابا نحو افريقيا والفضاء الأطلسي الجنوبي.

شكرا لاستماعكم.

لا تعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *