تقديم :

في مداخلة استراتيجية للأستاذ خالد الصمدي خلال ندوة منتدى المتوسط الأخيرة  حول “الصحراء المغربية”، قدم قراءة تحليلية تتجاوز السرديات الدبلوماسية التقليدية للموقف المغربي، ليكشف عن الأسس الصلبة والاستثمارات “الثقيلة” التي شكلت حجر الزاوية في بناء وتعزيز الموقف المغربي على الساحة الدولية.  والتي مهدت لهذا الانتصار

يرى الصمدي أن النجاحات الدبلوماسية المتتالية، التي يتابعها الرأي العام باهتمام، ليست نتاجا للتحركات الموسعة والمدروسة للدبلوماسية المغربية فحسب ، بل هي ثمرة رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد وطويلة الأمد  شكلت قاعدة إسناد  متينة للفعل الدبلوماسي ، تجسدت في استثمارات  استراتيجية في قطاعات حيوية كالـبحث العلمي البحري، وتكنولوجيا الفضاء، والبنية التحتية لمعالجة البيانات الضخمة وغيرها وذلك طبقا للرؤية المتنبصرة لجلالة الملك حفظه الله

هذه الاستثمارات  الكبرى والمهيكلة  لم تمنح المغرب أدوات سيادية متقدمة فحسب، بل منحته تفوقاً استراتيجياً في محيطه الإقليمي، وغيرت بشكل جذري حسابات العديد من القوى الدولية، التي باتت تنظر إلى المغرب كشريك لا غنى عنه، وتتعامل مع قضاياه الوطنية بمنطق المصالح الملموسة والواقعية التي فرضتها هذه الإنجازات على الأرض.

الاستثمار الأول: سفينة “أبو الحسن المراكشي” – الذراع العلمي الذي أعاد تشكيل الخارطة الجيوستراتيجية

يطرح الأستاذ خالد الصمدي تساؤلاً جوهرياً حول مدى وعي الرأي العام المغربي بالاستثمارات العميقة التي قامت بها الدولة لتعزيز موقفها  الاستراتيجي في قضية الصحراء، مؤكداً أن الفهم السائد غالباً ما يقتصر على الواجهة الدبلوماسية، بينما تكمن القوة الحقيقية في أبعاد أخرى، أكثر تقنية واستراتيجية. ويقدم الصمدي مثالاً حياً وملموساً من قطاع البحث العلمي، وهو إطلاق سفينة البحث العلمي المختصة في الأبحاث البحرية  وعلوم المحيطات والتي  أطلق عليها جلالة الملك سفينة”أبو الحسن المراكشي”. تخليدا  لذكرى عالم الرياضيات المغربي الشهير المتوفى سنة سنة 660 هجرية  وهي ثمرة تعاون المغربي الياباني في مجال البحث البحري والتنمية المستدامة  بهدف تعزيز قدرات المملكة في مجال حماية النظم البحرية  والتدبير المستدام للموارد البحرية المائية والعميقة ،

هذه السفينة لا تمثل مجرد قطعة بحرية أو إنجازاً علمياً معزولاً، بل هي مختبر عائم للبحث العلمي، أُنيطت به مهمة  تدقيق حدود المياة الإقليمية للمملكة واستكشاف  الموارد البحرية ذات الصلة بالتنمية المستدامة في أعماق السواحل المغربية  بما فيها سواحل الأقليم الجنوبية .  وكذا وضع خبرتها  رهن بعض الدول اللإفريقية    في إطار تعزيز علاقات التعاون المغربي الإفريقي بحيث أجرت أبحاثا في  كل من البنين وليبريا ، ولقد كانت النتائج التي حققتها هذه السفينة، التي دخلت حيز الخدمة الفعلية في المياه المغربية سنة 2020   بمثابة نقطة تحول استراتيجية. في مجال تخصصها بالمملكة وكذا في علاقاتها الدولية على مستوى الاستكشاف البحري والاستثمار المستدام في عدد من القطاعات الحيوية 

المحور الثاني: سلسلة أقمار  الصناعية “محمد السادس أ ، و ، ب  ”  

في سياق استعراضه للاستثمارات “الثقيلة” التي شكلت قاعدة صلبة لإسناد الموقف المغربي، ينتقل الأستاذ خالد الصمدي  ليسلط الضوء على مشروع استراتيجي آخر لا يقل أهمية، وهو إطلاق سلسلة الأقمار الاصطناعية  “محمد السادس”. فيصف هذه الخطوة بأنها نتاج “استثمارات ضخمة” أنفقها المغرب، ولم تكن هذه الاستثمارات ترفاً تكنولوجياً أو سعياً لمواكبة العصر فحسب ، بل كانت قراراً سيادياً مدروساً بعناية فائقة، يهدف إلى تحقيق غاية محددة وواضحة: وهي توفير المعطيات والمعلومات المسحية للمملكة  داخل حدودها ووضعها رهن إشارة القطاعات الحيوية في مجال البيئة  والغابات ومكافحة التصحر وخريطة المواد المائية والمعادن   بإدارة المركز الوطني  للاستشعار الفضائي عن بعد ،  ففي عصر المعلومات السيارة فإن امتلاك قمر اصطناعي بقدرات متقدمة  ووضعه في مدار متقدم  من شأنه يمنح الدولة  سيادة هامة  في مجال التوفر على  المعلومات، ويحررها من الاعتماد على مصادر خارجية قد تكون بياناتها منقوصة أو موجهة. إنه يمثل العين الساهرة التي تراقب المجال الترابي والبحري والجوي، ويوفر بيانات دقيقة وحاسمة لدعم اتخاذ القرار في مختلف القطاعات، من التخطيط الحضري والزراعي، إلى تدبير الموارد المائية، ومراقبة التغيرات البيئية داخل حدود المملكة  

ويربط الصمدي بذكاء بين هذا الإنجاز الفضائي والنقطة التي أثارها سابقاً حول سفينة البحث العلمي، حيث يضيف ملاحظة بالغة الأهمية، وهي أن السفينة الأقيانوسية  “أبو الحسن المراكشي” التي تملك القدرة على تدقيق ورسم الحدود البحرية”، وهو ملف “غاية في الأهمية” وهنا تتجلى الرؤية الاستراتيجية المتكاملة للدولة؛ فالقمر الاصطناعي يوفر البيانات والصور عالية الدقة من الفضاء، بينما تقوم السفينة بالمسح العلمي الدقيق على الأرض وفي البحر. هذا التكامل بين التكنولوجيا الفضائية والقدرات البحثية البحرية يشكل منظومة سيادية متكاملة، تمنح المغرب الأدوات العلمية والقانونية لترسيم حدوده  بالاستناد إلى حقائق  ومعايير علمية .

المحور الثالث: مركز البيانات الضخمة (Big Data) – ريادة تكنولوجية في خدمة العمق الإفريقي

يواصل الأستاذ خالد الصمدي رحلته في كشف الأبعاد غير المنظورة للقوة المغربية، منتقلاً إلى عالم الثورة الرقمية ومعالجة البيانات الضخمة ، حيث أصبحت السيادة  الرقمية لا تقل أهمية عن السيادة الترابية. وفي هذا السياق يذكر الصمدي باستثمار المغرب في  اقتناء خادم فائق السرعة لمعالجة المعطيات والبيانات الصخمة ( (Big Data ، وتنصيبه في المركز الوطني للبحث العلمي والتقني (CNRST). وكذا  إحداث مركز معالجة البيانات والمعلومات  بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية  بابن كرير  الذي تم إحداثه بشراكة مع جامعة كمبريدج  ،  وتمكن الأهمية الاستراتيجية لمثل هذه المشاريع  في بعدين أساسيتين.

البعد الأول كون هذه البنية التكنولوجية تصنف اليوم ضمن أفضل  100 مركز ذكي لمعالجة المعطيات في العالم “والأولى من نوعها على الصعيد الإفريقي”.  والتي تضع المغرب كأول دولة إفريقية في مجال معالجة المعطيات   بمستوى عال من تقنيات ضمان الثقة والأمن المعلوماتي ،  مع استثمار ذلك في ضمان  ومواكبة التحول الرقمي  للقطاعات الحيوية في المملكة،

هذا السبق لا يضع المغرب في مصاف الدول المتقدمة في هذا المجال فحسب، بل يكرسه كقائد قاري ورائد في مجال تكنولوجيا المعلومات والبيانات. وبذلك لم يعد المغرب مجرد مستهلك للتكنولوجيا، بل أصبح منتجاً لها وفاعلا فيها ، ويمتلك بنية تحتية سيادية تمكنه من معالجة بياناته الوطنية بأمان واستقلالية تامة.

أما الحقيقة الثانية، والتي تكشف عن البعد الدبلوماسي العميق لهذا الاستثمار، فتتمثل في أن المغرب لم يكتفِ باستخدام هذا المركز لتلبية احتياجاته الداخلية، “بل وفتحها  في وجه التعاون المغربي  الإفريقي في إطار تمتين العلاقات”.  بحيث تضم هذه البنية   المركز الإفريقي للحاسوب  العملاق ،

وتعكس  هذه الخطوة ذكاءً استراتيجياً ورؤية بعيدة المدى، حيث يستخدم المغرب خبرته التكنولولجية كأداة للقوة الناعمة والدبلوماسية العلمية. فمن خلال تقديم هذه الخدمة المتقدمة للدول الإفريقية الشقيقة، لا يقوم المغرب بتعزيز علاقاته الثنائية فحسب، بل يبني جسوراً من الثقة والتعاون التكنولوجي، ويقدم نفسه كشريك استراتيجي موثوق وقادر على المساهمة في التنمية المستدامة للقارة.

إنها دبلوماسية الفعل والمبادرة، التي تتجاوز الخطابات لتقدم حلولاً ملموسة، وهو ما يعزز من مكانة المغرب كقوة إقليمية مؤثرة، ويكرس ريادته داخل عمقه الإفريقي الطبيعي، الأمر الذي ينعكس إيجاباً وبشكل مباشر على حشد الدعم لقضاياه الوطنية الكبرى.

ويشدد الصمدي على أن هذه الاستثمارات الكبرى هي التي بوأت المغرب  مكانة متميزة في العلاقات الدولية ودفعتكثيراً من الدول إلى إعادة النظر” في مواقفها من قضية وحدتنا الترابية ، بل وتعزز علاقاتها مع المملكة يشكل يتحاوز العلاقات الدبلوماسية التقليدية .حيث أصبحت الشراكة مع المغرب  خياراً استراتيجياً تمثل عمليا  في اتساع دائرة  “فتح القنصليات الدولية في جنوب المملكة  لمواكبة الاستثمارات الضخمة التي ستعرفها أقاليمنا الجنوبية  والتي مهد المغرب لها أيضا ببنية لوجستيكية متقدمة ،لدعم الاستثمار والتصدير في الأقاليم الجنوبية  وعلى رأسها الطريق السيار تنزنيت الداخلة وميناء الداخلة الأطلسي

 . وبهذا، يخلص  الصمدي إلى أن المغرب لم يعول فقط على الفعل الدبلوماسي السياسي ، بل عمل على خلق واقع علمي واقتصادي جديد، يجعل من دعم وحدته  الترابية  النظارة التي تحكم علاقاته الدولية كما قال جلالة الملك وضرورة تفرضها لغة المصالح الدولية. المشتركة

المحور الرابع:  تحسير الفجوة بين الإنجاز العلمي والممارسة الدبلوماسية – دعوة  إلى إسناد الفعل الدبلوماسي بنتائج البحث العلمي

بعد أن استعرض الأستاذ خالد الصمدي الاستثمارات الاستراتيجية الضخمة التي قام بها المغرب والتي عززت عمقة الاستراتيجي الإقليمي والدولي وعمقت علاقاته وشراكاته مع عدد من الدول بمنطق رابح رابح ، ينتقل إلى طرح  فكرة التجسير بين هذه الإنجازات العلمية والتكنولوجية المتقدمة، وبين توظيفها الفعلي في الممارسة الدبلوماسية اليومية.

فإذا كان الاهتمام الإعلامي والسياسي حالياً يركز بشكل كبير على “أدوار الدبلوماسية والعلاقات الخارجية والعلاقات الدولية”، فإن هذا  الجهد ينبغي أن يسند بدعم البحث العلمي  في التاريخ الدبلوماسي وعلم الاجتماع والتعددية اللغوية والثقافية والعلوم السياسية والقانون الدولي  وغيرها من الدراسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والدينية والقانونية واستثمار نتائجها في تعزيز النسيج الوطني ووحدته والترافع عن القضايا الوطنية  في الحارج ومع في مختلف الفضاءات والمنتديات الإقليمية والدولية ، وذلك  في إطار مخطط لتجسير العلاقة بين البحث العلمي والدبلوماسية ،  وهو ما من شأنه أن يقدم خدمة كبرى للترافع عن القضايا الوطنية الكبرى”.

المحور الخامس: دراسة جدوى “لكلفة ” تنزيل قرار مجلس الأمن بما يحقق مصلحة الوطن – دعوة إلى التفكير الاستراتيجي في موازين الربح والتضحية

في ختام مداخلته العميقة، يطرح الأستاذ خالد الصمدي نقطة أخيرة ذات طابع استراتيجي وفلسفي، تتجاوز تعداد الإنجازات لتصل إلى التفكير في مستقبل هذا المشروع الوطني ككل.

هذه النقطة تتمحور حول سؤال “ما هي الكلفة  المنتظرة لتنزيل هذا المشروع بما يحفظ سيادة المملكة ويصمن مصالحها العليا  بشكل مستدام ؟ والكلفة” هنا لا تتعلق فقط بالجانب المالي، بل هي مفهوم شامل ومتعدد الأبعاد، يمس جوهر الدولة والمجتمع.

وفي هذا السياق ينبغي التفكير العميق في هذه الكلفة “على مستوى الهوية والانتماء ، على مستوى منظومة القيم المجتمعية والثوابت الجامعة ، وعلى مستوى العلاقات الدولية”.  فكل تحالف جديد، وكل خطوة دبلوماسية، وكل مشروع اقتصادي كبير، له بالضرورة تداعيات وتكاليف على هذه المستويات.حتى  تكون الأمة واعية تماماً بالكلفة التي يمكن تحملها مقابل تحقيق  الطموحات الوطنية المشروعة  

ويقترح  الصمدي ضرورة إجراء دراسة جدوى معمقة على كل المستويات لتحديد هذه الكلفة، ورسم الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها، ومعرفة  “بالضبط أين يمكننا أن نتحرك وأين يمكننا  أن نتريث .

إن الهدف من “دراسة كلفة هذا المسار هو ضمان تحقيق أكبر قدر من المكاسب والنجاحات للمملكة دون أن يكون ذلك على حساب المرتكزات الأساسية للسيادة الوطنية. الاقتصادية والسياسية والجيواستراتيجية “. فالمعادلة التي يطرحها هي ضرورة أن “تُحسب هذه الكلفة بالكفتين”، أي الموازنة الدائمة بين المكاسب المحققة والتضحيات المحتملة، ليظل  هذا المشروع الوطني قوياً ومحافظاً على جوهره ضامنا للمصالح  العليا للمملكة بشكل مستدام،

لا تعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *